مشروع روائح من الأزمان الفائتة يعيد عبق التحنيط المصري
أعاد باحثون إحياء روائح اندثرت عبر القرون في محاولة لصناعة ما وصفوه بـ"آلة زمن للأنف"، تمنح زوار المتاحف تجربة حسية غير مسبوقة.
وجاء هذا التوجه ضمن اهتمام متزايد بما يعرف بـعلم آثار الحواس، الذي لا يكتفي بدراسة شكل القطع الأثرية بل يسعى إلى استكشاف ملمسها وأصواتها وروائحها أيضاً.
توسع الاهتمام بعلم آثار الروائح
أوضحت الدكتورة باربرا هوبر من معهد ماكس بلانك للجيولوجيا البشرية أن العقد الأخير شهد تصاعداً في الأبحاث المتعلقة بحاسة الشم في السياقات التاريخية. وأكدت أن الباحثين باتوا يتساءلون عن طبيعة البيئات القديمة من منظور حسي شامل، لا بصري فقط، ما أطلق مشاريع تعاونية بين علماء كيمياء ومؤرخين وخبراء تراث وصانعي عطور.
أعاد مشروع رائحة الحياة الآخرة عبق التحنيط المصري

حلل فريق بحثي بقايا بلسم التحنيط داخل الجرار الكانوبية المصرية التي تعود إلى نحو 1450 قبل الميلاد، وحدد مكونات عطرية معقدة شملت شمع العسل وراتنج الصنوبر ومركب الكومارين ذي الرائحة الشبيهة بالفانيليا.
وتعاون الباحثون مع خبراء عطور لإنتاج نسخة حديثة آمنة من الرائحة أطلقوا عليها اسم "رائحة الحياة الآخرة"، وقدمت عبر بطاقات معطرة ومحطات عطرية في معارض بأوروبا وأميركا الشمالية.
وظف المتاحف الروائح كأداة تعليمية وبحثية
استخدمت مؤسسات ثقافية الروائح لتجسيد الماضي بصورة ملموسة، إذ عرض مركز جورفيك فايكنج منذ ثمانينيات القرن الماضي مشهداً عطرياً لمدينة يورك في عصر الفايكنج، بينما قدم معرض فرقة The Rolling Stones عام 2016 روائح تحاكي مساكن الموسيقيين.
غير أن النهج المعاصر أصبح أكثر ارتباطاً بالتحليل الكيميائي والبحث الأرشيفي، ما حوّل الروائح من مؤثرات مسرحية إلى سرد علمي موثق.
أعاد العلماء بناء رائحة أنف الديناصور وسيارة الملكة
ابتكر خبراء روائح تحاكي "أنفاس" Tyrannosaurus rex اعتماداً على الأدلة الأحفورية واستشارات علماء الحفريات.
وفي سياق مختلف، أعاد باحثون في معهد التراث المستدام بجامعة لندن تركيب الرائحة الداخلية لسيارة Rover P5B الخاصة بالملكة إليزابيث الثانية، مستندين إلى تحليل كيميائي للهواء المنبعث من المركبة ومقابلات مع جامعي السيارات الكلاسيكية.
فتح المجال لمتاحف المستقبل الحسية
يستعد باحثون لإطلاق مشروعات جديدة لإعادة بناء روائح من مناطق مختلفة من الإمبراطورية الرومانية، كما يجري العمل على إعداد "جرد للروائح" في المملكة المتحدة بهدف توثيق الروائح التي يرغب الناس في حفظها للأجيال المقبلة. ويرى الخبراء أن استخدام الشم كأداة للفهم قد يكشف جوانب من التراث كانت تغيب عن التفسيرات البصرية التقليدية، ويمنح الجمهور اتصالاً أعمق وأكثر إنسانية بالماضي.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض