رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

 

مع ميلاد الساعات الأولى ليوم السبت 28 فبراير 2026، كان العالم على موعد مع حدث عسكري عابر للقارات بين أميركا وإيران، بعد أن أعلنت إسرائيل الحرب على طهران.
الضربات الأميركية والإسرائيلية داخل إيران، وما تبعها من ردٍّ إيراني استهدف إسرائيل وقواعد تستضيف قوات أميركية في دول المنطقة، لم تكن مجرد تبادل نيران، بل إعلانًا صريحًا بأن قواعد الاشتباك السابقة لم تعد قائمة.
في تلك اللحظة، لم يكن السؤال: من أصاب ماذا؟ بل من يسعى إلى إعادة صياغة ميزان الردع، وبأي كلفة، وعلى حساب من؟
الولايات المتحدة قدّمت تحركها بوصفه ضرورة أمنية واستباقًا لتهديدات متراكمة، غير أن قراءة متأنية للسياق تكشف أن واشنطن، وهي صاحبة أكبر ميزانية عسكرية في العالم، اختارت مرة أخرى أن تُدير أزمة سياسية مركبة بأدوات عسكرية صلبة.
فوفق بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، بلغ الإنفاق العسكري الأميركي عام 2024 نحو 997 مليار دولار، أي ما يعادل 37% من مجمل الإنفاق العسكري العالمي الذي وصل إلى 2.718 تريليون دولار في العام ذاته، بينما لم يتجاوز الإنفاق العسكري الإيراني 7.9 مليارات دولار.
هذه الفجوة الهائلة في الموارد لا تعكس فقط تفاوتًا في القوة، بل تطرح سؤالًا أخلاقيًا واستراتيجيًا: هل تحتاج دولة تستحوذ وحدها على أكثر من ثلث الإنفاق العسكري العالمي إلى مزيد من التصعيد لإثبات ردعها؟ أم أن الإفراط في استخدام القوة أصبح في حد ذاته تعبيرًا عن أزمة في تعريف الأمن؟
المفارقة أن التفوق العددي والمالي لا يعني بالضرورة حسمًا سريعًا أو انتصارًا مضمونًا؛ فالحروب الحديثة لا تُقاس فقط بحجم الموازنات، بل بقدرة كل طرف على تحويل نقاط ضعفه إلى أدوات ضغط وقوة. وهنا تراهن إيران على الجغرافيا قبل الجيوش، وعلى الاقتصاد العالمي قبل ميدان القتال.
ويكفي النظر إلى مضيق هرمز لفهم عمق المعضلة؛ ففي عام 2024 مرّ عبر المضيق نحو 20 مليون برميل من النفط يوميًا، أي ما يقارب 20% من الاستهلاك العالمي للسوائل النفطية، إضافة إلى قرابة خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا، بحسب إدارة معلومات الطاقة الأميركية.
كما أن 84% من النفط و83% من الغاز المسال العابرين عبر هرمز يتجهان إلى الأسواق الآسيوية، وأي اضطراب، ولو جزئي، في هذا الشريان البحري لا يُصيب خصمًا بعينه، بل يضرب الاقتصاد العالمي في عمقه.
وحتى البدائل التي كثيرًا ما تُطرح لطمأنة الأسواق تبقى محدودة الأثر؛ إذ تشير تقديرات إدارة معلومات الطاقة إلى أن طاقات خطوط الأنابيب التي يمكنها تجاوز هرمز لا تتجاوز نحو 2.6 مليون برميل يوميًا في أفضل الأحوال، وهو رقم لا يعوّض سوى جزء يسير من التدفقات الطبيعية، ومعنى ذلك أن مجرد التهديد، دون إغلاق كامل، يكفي لرفع تكاليف التأمين والشحن وإشعال تقلبات الأسعار، وهنا تتجلى هشاشة النظام الاقتصادي العالمي أمام نزاع إقليمي، كما تتجلى خطورة الرهان الأميركي على إدارة صراع في قلب واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية للطاقة.
اللافت في المشهد أن أوروبا، التي سارعت إلى الدعوة لحل تفاوضي وتفادي التصعيد، تدرك أن اتساع دائرة الحرب سيعني موجة جديدة من الضغوط الاقتصادية والأمنية عليها.
أما دول المنطقة فتجد نفسها في وضع بالغ التعقيد؛ فهي بين مطرقة التحالفات الأمنية وسندان تجنب التحول إلى ساحات اشتباك مفتوحة، وفي هذا السياق، يبدو أن واشنطن، بدلًا من أن تسعى إلى تقليص دوائر النار، تدفع نحو توسيعها، سواء عبر تعدد مسارح العمليات أو عبر الإيحاء بأن الحملة قد تمتد لأيام من الهجمات المكثفة، وفق ما نقلته تقارير إعلامية أميركية في الساعات الأولى من الأزمة.
إن النقد الجوهري للسياسة الأميركية هنا لا يقوم على تبرئة خصم أو تبرير سلوك إقليمي معقّد، بل على مساءلة خيار استراتيجي يتكرر منذ عقود، وهو اللجوء إلى القوة العسكرية بوصفها الأداة الأولى لا الأخيرة.
فالولايات المتحدة، التي تنفق قرابة تريليون دولار سنويًا على الدفاع، تمتلك من أدوات الضغط الاقتصادي والدبلوماسي والتحالفي ما يكفي لابتكار مسارات أقل تكلفة بشرية واقتصادية. ومع ذلك، تُظهر الوقائع أن خيار القوة يبقى حاضرًا بقوة في حساباتها، حتى وإن كان الثمن المحتمل ارتفاعًا عالميًا في أسعار الطاقة، وتوسّعًا في دوائر عدم الاستقرار، وتآكلًا إضافيًا في صورة النظام الدولي القائم على القواعد.
المعضلة أن الحرب، إذا انزلقت إلى نمط استنزاف متبادل، لن تُقاس بنتائج الأيام الأولى، بل بقدرة كل طرف على تحمّل الكلفة؛ فالفجوة بين 997 مليار دولار و7.9 مليارات قد تبدو حاسمة على الورق، لكنها لا تُلغي قدرة الطرف الأقل إنفاقًا على فرض كلفة غير متناظرة عبر الصواريخ والمسيّرات والضغط البحري.
وفي عالم يعتمد على 20 مليون برميل يوميًا تمر عبر مضيق واحد، لا تحتاج إلى أساطيل عملاقة كي تهزّ أسواق الطاقة؛ بل يكفي أن تجعل المرور أكثر خطورة وأعلى كلفة.
من هنا، تبدو حرب فبراير 2026 اختبارًا مزدوجًا: اختبارًا لمدى قدرة الولايات المتحدة على فرض ردع جديد دون الغرق في مستنقع استنزاف طويل، واختبارًا للنظام الدولي الذي يدفع ثمن كل مواجهة كبرى عبر تقلبات الأسواق واضطراب سلاسل الإمداد. 
والخلاصة أن هذه الحرب ليست مجرد ردٍّ على تهديد كما تروّج الإدارة الأميركية، بل هي امتداد لعقيدة أميركية راسخة ترى في القوة العسكرية الأداة الأنجع لحسم التعقيدات السياسية، غير أن التجارب من العراق إلى أفغانستان أثبتت أن فائض القوة لا يصنع استقرارًا، وأن إنفاق ما يقارب تريليون دولار سنويًا على الدفاع لا يمنح واشنطن صكًّا أخلاقيًا لإعادة تشكيل خرائط المنطقة بالنار. فحين تمتلك دولة وحدها 37% من الإنفاق العسكري العالمي ثم تختار التصعيد بدل الاحتواء، فإنها لا تُرسل رسالة ردع فحسب، بل تُكرّس صورة الهيمنة وتُعمّق فجوة الثقة بينها وبين شعوب المنطقة. 
الولايات المتحدة تقول إنها تتحرك دفاعًا عن الأمن، لكن الأمن الذي يُبنى على الضربات الاستباقية والضغط بالقوة يظل هشًّا وقابلًا للانفجار عند أول اختبار. 
إن إدارة الأزمات عبر الطائرات والصواريخ قد تُرضي حسابات داخلية أو تُظهر حزمًا سياسيًا، لكنها في المحصلة تُغذّي دوامة سباق تسلّح، وتدفع المنطقة نحو مزيد من الاستقطاب، وتحمّل الاقتصاد العالمي كلفة صراع كان يمكن احتواؤه بمقاربات أقل اندفاعًا وأكثر عقلانية. 
إن النقد هنا لا يستهدف شعبًا، بل نهجًا سياسيًا يختزل العلاقات الدولية في ميزان القوة المجردة. فالعالم لم يعد يحتمل حروبًا تُدار بمنطق التفوق وحده، ولا مناطق تُختبر فيها استراتيجيات الردع على حساب استقرار شعوبها. 
وإذا كانت واشنطن ترى في هذه المواجهة تثبيتًا لهيبتها، فإنها قد تكتشف أن الهيبة التي تُفرض بالقوة سرعان ما تتآكل، وأن النظام الدولي لا يستقيم إلا حين تُقاس القرارات بميزان المسؤولية لا بميزان الغطرسة الحربية.