بينما تُسرّع إسرائيل خطواتها الفعلية والقانونية نحو ضم الضفة الغربية المحتلة، مستغلةً التركيز الدولي على غزة لتوسيع نفوذها، وتتضمن هذه الإجراءات نقل صلاحيات واسعة إلى سلطات مدنية إسرائيلية، تعزيز الاستيطان، ووقف أعمال التسوية الفلسطينية، مما يهدد بفرض سيادة كاملة على المنطقة وتجاوز خطوط عام 1967.
لم يعد الحديث عن “حل الدولتين” نقاشا ً سياسيا ً بقدر ما أصبح سؤالا ً وجوديا ً:
هل يمكن المطالبة بإقامة دولة لمن لا يملك أرضا ً تُقام عليها؟ هذا السؤال لم يعد نظريا ً، بل فرضته الوقائع المتراكمة على الأرض، والتي تتسارع اليوم بوتيرة غير مسبوقة.
ما يجري في الضفة الغربية ليس وليد اللحظة، ولا نتيجة مباشرة للحرب على غزة، بل تتويج لمسار طويل تعاملت فيه إسرائيل مع الأرض بوصفها موضوع حسم لا موضوع تفاوض. توسع استيطاني ممنهج، تقطيع جغرافي مدروس، شبكات طرق تعزل المدن والقرى، وسحب تدريجي لأي معنى حقيقي للسيادة ، وكلها إجراءات نُفذت بهدوء، بينما ظل خطاب “حل الدولتين” حاضرا ً في المحافل الدولية كغطاء دبلوماسي لا أكثر.
جاءت الحرب على غزة لتمنح هذا المسار دفعة إضافية؛ فبينما انشغل العالم بمشاهد القصف والدمار، جرى توسيع هامش الحركة السياسية والاستراتيجية في الضفة، مستفيدا ً من حالة الشلل الدولي، والانقسام الإقليمي، وتراجع القدرة على فرض أي كوابح فعلية- هنا لا نتحدث عن قرارات مفاجئة- بل عن استكمال ما كان مؤجلا ً، ورفع سقف ما كان يُدار بصمت.
جوهر الأزمة لا يكمن فقط في الضم القانوني أو الإعلان الرسمي، بل في الضم الواقعي. فعندما تُفكك الأرض إلى جزر منفصلة، وتُفرغ من عمقها الجغرافي، وتُحاصر بسيطرة أمنية واقتصادية كاملة، تصبح فكرة الدولة شكلا ً بلا مضمون. دولة بلا تواصل جغرافي، بلا حدود قابلة للحياة، وبلا سيادة حقيقية، لا يمكن أن تكون دولة، مهما جرى تجميل التوصيفات.
هنا تحديداً يُوأد حل الدولتين عمليا ً، لا نظريا ً ؛ فالحلول السياسية لا تُقاس بالنوايا، بل بالقدرة على التطبيق. وعندما تنتفي الأرض، يتحول الحديث عن الدولة إلى خطاب أخلاقي أو إنشائي، لا مشروعا ً قابلا ً للتنفيذ .. والأخطر أن الإصرار على التمسك بهذا الخطاب، رغم انهيار مقوماته، يمنح شرعية زائفة لواقع يجري تكريسه على الأرض.
ما بعد انهيار حل الدولتين ليس فراغا ً سياسيا ً فقط، بل انتقالا ً إلى مرحلة صراع طويل بلا أفق واضح، فغياب الحل لا يعني تجميد الأزمة، بل إعادة إنتاجها بأشكال أكثر تعقيدا ً، وبتكلفة أعلى على الجميع .. فإقليم بلا تسوية عادلة، هو إقليم مرشح دائما ً للاشتعال، حتى وإن خفتت الأصوات مؤقتا ً.
المفارقة أن العالم قد يستمر في مناقشة صيغ سياسية فقدت شروط وجودها، بينما الواقع يتحرك في اتجاه مغاير تماما ً؛ وهنا يكمن الخطر الحقيقي ليس في إعلان موت حل الدولتين، بل في التعامل مع وفاته كأمر يمكن تجاوزه بالبيانات، لا بمراجعة جذرية للمسار كله.
الخلاصة ببساطة: حين تُسحب الأرض، يسقط الحل.
وحين تُدفن الجغرافيا، تصبح السياسة مجرد لغة بلا أثر.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض