هل قول الزوج لزوجته أنت مطلقة صريح أم كناية؟
اختلف أهل العلم في قول الرجل لامرأته: أنت مطلقة، هل هذا من صريح الطلاق، فيقع الطلاق بمجرد التفظ به، ولا يبحث عن نية الزوج، أم هو من ألفاظ الكنايات، فيرجع فيه إلى نية الزوج، أو قرينة الحال؟ على أقوال:
القول الأول: ذهب الشافعية في المعتمد من مذهبهم، والحنابلة، إلى أن هذا لفظ صريح يقع به الطلاق، سواء نوى الزوج به الطلاق أم لم ينوِه، لأن هذا لفظ مشتق من ألفاظ الطلاق، قال الشربيني من فقهاء الشافعية: "أمثلة المشتق من الطلاق كطلقتك وأنت طالق ومطلقة، بتشديد اللام، ويا مطلقة – بفتح اللام بدون تشديد"، وقال ابن قدامة في الكافي في فقه الإمام أحمد: "ولا يقع الطلاق إلا بصريح أو كناية، فالصريح: لفظ الطلاق وما تصرف منه؛ لأنه موضوع له على الخصوص، يثبت له عرف الشرع والاستعمال، فإذا قال: أنت طالق، أو مطلقة، أو طلقتك، أو يا مطلقة، فهو صريح".
القول الثاني: وهو مذهب الحنفية والمالكية، الذين يذهبون إلى التفصيل، فإن نوى به إنشاء الطلاق وقع، وإن نوى به مقاصد أخرى كالسب والشتم، أو قصد تعييرها بأنها مطلقة من زوج قبله، أو قال لها: أنت مطلقة مطلقة، بمعنى أنك سوف تتطلقين عما قريب، ونحو ذلك من الألفاظ والمعاني، فلا يقع ديانة ولكن يقع قضاء، ففقهاء الحنفية يذكرون ثلاث حالات لهذا اللفظ:
الحالة الأولى: إذا قال لزوجته: يا مطلقة، أو أنت مطلقة ونوى به إنشاء الطلاق الطلاق، فحينئذ يقع الطلاق عليها، قال الكاساني في بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع: "ولو قال: يا مطلَّقة وقع عليها الطلاق؛ لأنه وصفها بكونها مطلقة، ولا تكون مطلقة إلا بالتطليق".
الحالة الثانية :إذا قال لها: يا مطلَّقة، وقال: أردت به الشتم والسب، فلا يقع ديانة ويقع قضاء، أي إذا رفعت المرأة أمرها للقاضي وادعت بأنه قال لها أنت مطلقة فإن القاضي يطلقها، ولا يلتفت لكلام الزوج؛ لأن هذا خلاف الظاهر، أما إذا لم ترفع أمرها للقضاء فإنه يُصدَّق فيما بينه وبين الله تعالى، قال الكاساني في بدائع الصنائع: " فإن قال: أردت به الشتم لا يصدَّق في القضاء؛ لأنه خلاف الظاهر؛ لأنه نوى فيما هو وصف أن لا يكون وصفاً، فكان عدولاً عن الظاهر فلا يصدِّقه القاضي، ويصدَّق فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه قد يراد بمثله الشتم".
الحالة الثالثة :إذا قال لها: يا مطلَّقة، وقال: عنيتُ أنها مطلقة من زوج قبلي، فحينئذ ينظر، فإن لم يكن لها زوج: وقع الطلاق، ولا يلتفت إلى كلامه، وكذا لا يلتفت إلى كلامه إن كان لها زوج قبله، لكنه مات ولم يطلق، أما إن كان ذلك الزوج السابق قد طلقها فعلاً، فإن كان الزوج لم ينو بكلامه الإخبار: طلقت، وإن قال عنيت به الإخبار عن الطلاق السابق، فإنه يُديَّن فيما بينه وبين الله تعالى، جاء في الفتاوى الهندية: "رجل قال لامرأته يا مطلقة، إن لم يكن لها زوج قبل، أو كان لها زوج، لكن مات ذلك الزوج ولم يطلق: وقع الطلاق عليها، وإن كان لها زوج قبله، وقد كان طلقها ذلك الزوج: إن لم ينو بكلامه الإخبار: طلقت، وإن قال عنيت به الإخبار: دُيِّن فيما بينه وبين الله تعالى، وهل يُدَيَّن في القضاء: اختلفت الروايات فيه، والصحيح أنه يُدَيَّن".
وذهب المالكية إلى أن الزوج إذا أراد بهذا اللفظ الطلاق وقع به الطلاق، أما إذا لم يرد به الطلاق وأراد شيئاً آخراً فلا يوقعونه، وتتصور الحالة التي رأى المالكية فيها عدم وقوع الطلاق إذا لم ينوه، كأن كانت الزوجة متزوجة من زوج آخر قبل هذا الزواج ثم طلقت، أو كان هذا الزوج نفسه طلقها قبل، فيقول: إنما قصدت بقولي هذا وصفها بما كان فيصدق في هذا ديانة، كما يتصور أيضاً إذا ما قال: أردت وصفها بالمطلقة تشبيها لها بسبب بذاءة لسانها مثلا أو في شدة تبذلها أو نحو ذلك، فيصدق أيضا في هذا، جاء في كتاب البيان والتحصيل لابن رشد: "مسألة: قال أصبغ سمعت: ابن القاسم يقول في رجل قال لامرأته يا مطلقة، قال: إن كان لم يرد طلاقاً وإنما قال ذلك لها أي أنت في كثرة الكلام كالمطلقة وما كلامك إلا كلام مطلقة فلا شيء عليه إن لم يرد الطلاق، وإن كان أراد شيئاً فهو ما أراد"، قال ابن رشد الجد في شرحه على البيان والتحصيل: "أما إذا أراد بقوله لامرأته: يا مطلقة ذمها بأنها ممن قد طلق، أو أن حالك كحال المطلقة في كثرة الكلام، وقلة الانطباع، وما أشبه ذلك فلا إشكال في أنه لا شيء عليه، وأما إذا قال لها ذلك ابتداء على غير سبب ولا نية، ففي لفظه في هذا الوجه في الكتاب احتمال، والأظهر منه أن الطلاق له لازم، ولو قال: أردت بذلك الكذب، ولم أرد به الطلاق لصدق في ذلك، ولم يلزمه طلاق، وإن كانت عليه بينة، والله سبحانه أعلم".
والخلاصة أن المذاهب الأربعة على أن من قال لزوجته: أنت مطلقة بنية إنشاء الطلاق وقع الطلاق، أما إن قصد مقاصد أخرى، كتعييرها بطلاقها من زوجها الأول مثلاً فالشافعية والحنابلة يعتبرونه طلاقاً صريحا، والحنفية والمالكية يعتبرونه كناية يرجع فيها لنية الزوج، فإن نواه طلاقاً وقع، وإن نواه نية أخرى لا يقع ديانة، ويقع إذا رفعت المرأة أمرها للقاضي، والله أعلى وأعلم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض