رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

أول إنسان يعمل لدى الذكاء الاصطناعي.. هل بدأ عصر الوظائف المعكوسة؟

الذكاء الاصطناعي
الذكاء الاصطناعي

في عالم يتسارع فيه الذكاء الاصطناعي بشكل لافت، ظهرت شركة ناشئة تحمل اسم Rent A Human أو استأجر إنساناً، لتطرح فكرة قد تبدو غريبة للوهلة الأولى، تأجير البشر لخدمة الروبوتات والخوارزميات.

شركة تعلن صراحةً: "الروبوتات تحتاج جسدك"

 الشركة تصف نفسها صراحةً بأنها "الطبقة المادية للذكاء الاصطناعي"، وتعلن على موقعها أن “الروبوتات تحتاج جسدك”، ولكن ما وراء هذا الشعار الصادم يكمن سؤال أعمق بكثير، هل نحن أمام تطور طبيعي لسوق العمل، أم أمام منعطف خطير في تاريخ العلاقة بين رأس المال والعمل.

الفكرة في جوهرها بسيطة، يمكن للمستخدمين استئجار أشخاص حقيقيين للقيام بمهام لا تستطيع الآلات تنفيذها في الواقع المادي، كالتوقيع على الأوراق، والشراء من المحلات، واستلام الطلبات.

 وبعبارة أخرى، هي مهام لا يستطيع الذكاء الاصطناعي فعلها حرفياً كما تقول الشركة، المنصة تشبه في تصميمها خدمات مثل Taskrabbit وFiverr، لكنها تختلف في طبيعة العلاقة بين من يأمر ومن ينفذ.

للوهلة الأولى، قد يخطر ببال البعض أفلام الخيال العلمي والآلات المتمردة التي تسيطر على البشر، لكن الحقيقة أكثر رسوخاً وأقل درامية، وربما لهذا السبب هي أكثر خطورة، ما تقدمه "Rent A Human" ليس سيطرة الروبوتات على البشر، بل هو ببساطة أتمتة لعملية إصدار الأوامر وتوزيع المهام، مما يمنح أصحاب الثروة والنفوذ أداة أكثر كفاءة وأقل كلفة لتوجيه العمال وإدارتهم.

اقتصاد المهام الحرة أو ما يُعرف بـ"Gig Economy" ليس جديداً، وسلبياته موثقة، العمال فيه يتنافسون في سباق نحو الأجر الأدنى، ويفتقرون إلى الاستقرار الوظيفي، ويغيب عنهم أي غطاء قانوني أو نقابي حقيقي، لكن ما تضيفه منصة "Rent A Human" هو بُعد جديد من الخطورة يتمثل في إزالة الاحتكاك الإنساني من معادلة القيادة والإدارة.

في السابق، كان صاحب العمل بحاجة إلى وقت وجهد لإصدار أوامره وتتبع تنفيذها. أما الآن، فيكفيه أن يأمر وكيله الذكي بإنجاز قائمة مهام أسبوعية كاملة، ليتولى الذكاء الاصطناعي تنسيق العمال وتوزيع المهام عليهم تلقائياً.

هذا النموذج يفتح الباب أمام ما يمكن تسميته بـ"الضغط الإداري"، أي تركيز السلطة في يد القلة مع تشتيت العمال وعزلهم عن بعضهم البعض، العامل في هذا النظام يصبح مجرد رقم في قاعدة بيانات، بلا اسم ولا صوت، يتلقى أوامر من خوارزمية لا تفاوض ولا تسمع شكاوى.

 وأمام هذا الواقع يطرح السؤال نفسه بإلحاح، كيف يمكن لهؤلاء العمال تنظيم أنفسهم والمطالبة بحقوقهم حين يكون صاحب العمل الفعلي برنامجاً حاسوبياً.

بعيداً عن مخاوف الاستيلاء الروبوتي على العالم، الخطر الحقيقي والآني أكثر دقة وأشد وطأة، هذه التقنيات لا تلغي التراتبية الاجتماعية القائمة، بل تعمقها وترسخها. الفجوة بين رأس المال والعمل لن تختفي مع الذكاء الاصطناعي، بل ستتسع وتتحصن بأدوات جديدة أكثر كفاءة في توطيد سلطة من يملكون على من يعملون.

"Rent A Human" قد تكون الأولى في هذا المجال، لكنها لن تكون الأخيرة. ما يجعل هذه اللحظة بالغة الأهمية أنها تكشف بجلاء مشهد المستقبل القريب، ذكاء اصطناعي في الأعلى يُصدر الأوامر، وبشر في الأسفل ينفذون، ليس لأن الآلات استعبدت الإنسان، بل لأن البشر أنفسهم اختاروا توظيف الآلة لإحكام قبضتهم على بشر آخرين.