هل هلالك.. شهر مبارك
رمضان.. تجديد للروح وتطهير للنفس
كما يمنّ الله علينا ببزوغ فجرٍ جديد كل صباح، يفيض علينا كذلك بميلادٍ روحيٍّ متجدد كل عام مع إشراقة هلال رمضان، الشهر التاسع من التقويم الهجرى، فنغتسل فى نهرٍ من المغفرة والرحمة والعتق من النار ثلاثين يومًا،فنجد فى الشهر الكريم استراحةً من عناء الطريق، وارتقاءً فى درجات النعيم، كمان روت لنا السيرة النبوية، حين تعجب الصحابة من رَجُلين استُشهد أحدهما ولكن سبقه صاحبه إلى الجنة، رغم أن الأخير مات على فراشه بعده بعام! ليأتى البيان النبوى الشريف كاشفاً عن السرّ فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس قد مكث هذا بعده سنة؟ قال الصحابة: بلى، قال: وأدرك رمضان فصام وصلى كذا وكذا من سجدة فى السنة؟ قالوا: بلى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فما بينهما أبعد مما بين السماء والأرض.
ميلاد جديد
ومن هذا السياق أكد الدكتور عمرو الوردانى رئيس لجنة الشئون الدينية بمجلس النواب، وأمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، أن شهر رمضان يمثل فرصة لـ «الميلاد الروحى الجديد»، موضحاً أن من أثقلته الهموم والذنوب يمكنه أن يبدأ صفحة جديدة عبر الصيام بإخلاص.
ويستشهد الوردانى بحديث النبى صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه»، معتبراً أن تلك المغفرة تعنى تجدد القلب وكأن الإنسان وُلد من جديد.
كما أشار إلى لفتة رمزية عميقة، وهى أن كون رمضان هو «الشهر التاسع» فى التقويم الهجرى يحمل دلالة على مخاض ا لميلاد، مؤكداً أن عطاء الله واسع، لكن المشكلة تكمن فى مدى استعداد القلوب لتلقيه، داعياً لاغتنام الشهر كموسم للتوبة.
جراحة ربانية روحية
ويتضح لنا هذا الميلاد فى عمق الفلسفة الروحية للصيام، حيث تبرز ثنائية «التخلية والتحلية»، فالصيام يبدأ بعملية جراحية دقيقة للنفس، وهى «التخلية»، أى إفراغ القلب من الشهوات، وما إن تخلو النفس من كدَرِها، حتى تبدأ مرحلة «التحلية»، حيث تُغرس قيم الصبر والتقوى.
وهنا يقول الداعية مصطفى حسنى إن الصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو «عملية جراحية ربانية» تُعيد تشكيل روح الإنسان، وتحتاج إلى بيئة منضبطة، محددًا أربعة «منافذ للروح» ينبغى ضبطها حتى تؤتى العبادة ثمارها: البصر، والسمع، واللسان، واليد.
موضحًا أن غضّ البصر يقى القلب من التعلق والشهوة، وأن تعمد الاستماع إلى الغيبة أو الفحش يُفسد أثر الصيام، مستشهدًا بقول الله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتّى يَخُوضُوا فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾.
كما شدد على خطورة اللسان، محذرًا من الغيبة والنميمة والفحش، ومذكّرًا بحديث النبى صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة فى أن يدع طعامه وشرابه»، وأضاف أن معاصى اليد لا تقتصر على السرقة، بل تشمل كل أذى مباشر أو غير مباشر، مؤكدًا أن طهارة الكسب والسلوك شرط لبركة العبادة.
واختتم بأن من أراد أن يخرج من رمضان بروح متغيرة فعليه بالمداومة على الذكر وضبط النظر وسائر الجوارح، ليصبح الصيام مسارًا متكاملًا لتهذيب النفس وبلوغ الطمأنينة، لا مجرد جوع وعطش.
مقاصد الصوم
وعند الغوص فى مقاصد هذه الفريضة، نجد أن كبار المفكرين والعلماء قد فككوا شفرات تلك حراجة الروحية بعمق يتجاوز مجرد الامساك عن المفطرات، فمن منظور «مدرسة أعمال القلوب» التى تعتنى بآثار العبادة على الوجدان، يرى الإمام ابن قيم الجوزية فى كتابه .
(زاد المعاد) أن للصوم تأثيراً عجيباً فى حفظ الجوارح الظاهرة والقوى الباطنة، واصفاً إياه بأنه «لجام المتقين، وجنة المحاربين، ورياضة الأبرار»، إذ يحمى الروح من المواد الفاسدة التى إذا استولت عليها أفسدتها.
أما الإمام الغزالى، رائد «مدرسة الزهد والرقائق»، فيذهب فى كتابه (إحياء علوم الدين) إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن جوهر الصيام هو «التخلق بخلق الصمدية»، والتشبه بالملائكة فى كف الشهوات عن مقتضى الطباع، فبقدر ما يقهر الإنسان شهوته فى هذا الشهر، يضىء قلبه ويستعد لفيض السكينة الإلهية.
ولا يقتصر هذا الفهم على التراث القديم، بل يمتد للمدرسة الفكرية الحديثة، حيث يرى المفكر عباس محمود العقاد فى كتابه (حقائق الإسلام) أن الصيام هو «الرياضة التى تجعل الإنسان سيداً لضروراته، وليس عبداً لها»، إنه فى نظره الانتصار الأسمى الذى يحققه الكيان الروحى على الكيان المادى، ليعلن الإنسان من خلاله حرية إرادته.
شهر كريم
ولاغتنام الشهر الكريم بخطوات عملية تصب فى المقاصد الشرعية لفريضة الصوم، أشار الداعية الإسلامى الشيخ رمضان عبدالمعز إلى أنه من أهم معانى الشهر الكريم تصفية القلوب والمسامحة، مشيرًا إلى ما كان عليه حال الصحابة رضوان الله عليهم، إذ كانوا يتحرجون من استقبال هلال رمضان وفى صدورهم شىء من الحقد أو الضغينة تجاه أحد.
مُشددًا على ضرورة المصالحة بين الناس، والانتصار على النفس والهوى، والتغلب على وساوس الشيطان، حتى يدخل المسلم رمضان بقلب سليم.
وأشار إلى أن شهر رمضان هو شهر القرآن، مستدلًا بقوله تعالى: ﴿شهر رمضان الذى أُنزل فيه القرآن﴾، داعيًا إلى الحرص على تلاوة القرآن ولو بقدر يسير يوميًا، مع التدرج فى الزيادة، مؤكدًا أن الأهم هو التدبر والفهم وليس مجرد كثرة القراءة.
كما شدد على أن حقيقة الصيام لا تقتصر على الامتناع عن الطعام والشراب، بل تمتد إلى صيام الجوارح عن المعاصى، بحفظ اللسان وغض البصر والابتعاد عن الحرام، مستشهدًا بقول النبى صلى الله عليه وسلم: «رُبَّ صائمٍ ليس له من صيامه إلا الجوع»، فى إشارة إلى أن المقصود من الصيام تهذيب النفس وتحقيق التقوى.
فى الختام، علينا أن نُدرك أن التحدى الحقيقى ليس فى ممارسة الفضيلة لثلاثين يوماً، بل فى الحفاظ على «عبق» هذه الروح بعد انقضاء الشهر، لكى لا تذبل هذه الروح الجديدة، علينا أن نبقى على «نوافذ رمضان» مفتوحة فى حياتنا، الصوم ليس موسماً وينتهى، بل هو دورة تدريبية مكثفة لترميم ما أفسدته شهور السنة، فمن ذاق حلاوة القرب، عزّ عليه أن يعود لمرارة البعد.

