المتابع لتصريحات السادة وزراء التربية والتعليم خلال الفترات الماضية يجد أن تطوير المنظومة التعليمية وفقًا لأعلى المعايير الدولية هى الحبكة الرئيسية فى رواية الإصلاح، ثم تأتينا سرديات التحول الرقمى وربط التعليم بسوق العمل، مع التشديد على هيكلة التعليم الفنى كأحد أهم سبل دعم الاقتصاد، لنصل فى النهاية إلى القاعدة التى تنطلق منها بنود التطوير وهى بناء شخصية الإنسان المصرى، بعد هذا الإطار العام المُتفق عليه يبدأ الوزير فى استعراض إنجازاته لمواجهة الأزمات المزمنة وسُبل إصلاحها، من كثافة الفصول إلى تحديث المناهج مرورًا بخطط القضاء على«الدروس الخصوصية»، وصولًا إلى كيفية التعامل مع «البعبع» المسمى بالثانوية العامة.
انطلاقًا من تلك المقدمة المشتركة الجامعة لتصريحات السادة وزراء التربية والتعليم، ننتقل إلى مناقشة سردية السيد محمد عبداللطيف أمام لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب واستعراض خطواته الإصلاحية بعد تجديد الثقة واستمراره فى حكومة مدبولى الثالثة.
قال السيد الوزير إن نسب حضور الطلاب تمثل مؤشرًا أساسيًا لتقييم أى عملية تعليمية، وأوضح لنا أن نسب الحضور داخل شريحة التعليم الحكومى كانت تتراوح سابقًا بين 9% و15%، مشيرًا إلى ارتفاع تلك النسبة حاليًا إلى 90%، وهنا يقول لنا سيادته ضمنيًا بوضوح شديد إنه تفوق على من سبقوه ممن جلسوا على كرسى الوزارة تفوقًا لا مثيل له، حيث ارتفع مؤشر تقييم العملية التعليمية إلى 90% بعدما كانت النسبة تتراوح بين 9% و15% فقط.
ثم ربط السيد الوزير نسب الحضور المدرسى السابقة التى سردها فى أكثر من مناسبة بنقطة أخرى؛ وهى «نمط التعليم خارج المدرسة»، وقال إن هناك تراجعًا ملحوظًا على هذا النمط غير الرسمى من التعليم، وأن الاعتماد على السناتر التعليمية «الدروس الخصوصية» تراجع بنسبة لا تقل عن 50%، ولا أعرف من أين أتى السيد الوزير بتلك النسبة، هل لديه إحصائيات أو دراسات قامت بها الوزارة أو أسندت إلى جهة بحثية مهام إجراء مسح ميدانى على «السناتر» والمنصات التعليمية ثم جاءت النتائج تفيد بهذا التراجع؟! أعتقد أن هذا لم يحدث.. فمن أين أتى سيادته بهذا الإعتقاد وتحديد تلك النسبة؟!
فإذا كانت الملاحظة وحدها هى المصدر الأساسى والعلمى الذى بنى عليه السيد الوزير تلك النسبة، فالمتابع الجيد وغير الجيد لردود أفعال الطلاب وأولياء الأمور سوف يلاحظ استياءً كبيرًا من إجراءات السيد الوزير وإدارته للمنظومة التعليمية، وأن مؤشر الغضب على سياسات سيادته الإصلاحية واضحًا للجميع، كما نلاحظ أيضًا أن نسبة الدروس الخصوصية لم تتراجع، سواء داخل «السناتر» أو عن طريق الإشتراك فى المنصات التعليمية.. دون تحديد نسبة حتى لا نقع فى فخ التعميم أو النسب غير العلمية.
بعد تأكيدات السيد «محمد عبداللطيف» بأن الوزارة ماضية فى تنفيذ سياساتها الإصلاحية، أخبرنا أن الوزارة تدرس إعداد تشريع يستهدف زيادة عدد سنوات التعليم الإلزامى، ومن المتوقع تنفيذ هذه الخطوة بعد عامين أو ثلاثة، بما يسمح باستيعاب دفعتين دراسيتين فى وقت واحد، دون تحميل المنظومة أعباء غير محسوبة، وهنا نطرح السؤال: إذا كانت الزيادة السكانية، وعبء ما نحتاج إليه من اعتمادات مالية لبناء المدارس هى الشكوى الأكثر ديمومة، فمن أين أتت تلك الثقة والجرأة لطرح ودراسة هذا التشريع؟!.
أشار سيادته أمام لجنة النواب إلى تطوير 94 منهجًا دراسيًا جديدًا دون تحميل ميزانية الدولة أى أعباء مالية، ولم أفهم صراحة ماذا يقصد سيادته بجملة: دون تحميل الدولة أى أعباء مالية.. فهل تم هذا التطوير كاملًا عن طريق منح خارجية؟.. أم قام به خبراء وزارة التربية والتعليم دون مقابل مادى؟، على سيادته أن يوضح لنا تفاصيل تلك العبارة لنعرف كيف جنَّب ميزانية الدولة تلك الأعباء.
فى النهاية: إذا كان السيد الوزير يعتقد أن «التقييمات الأسبوعية»، تعمل على تحسين نواتج التعلم وقياس مستوى الطلاب بشكل دورى، فبناءً على منهجية الأرقام التى يتبناها سيادته فى سردية الإصلاح، أقول له بوضوح إن هذا اعتقاد ربما جانبه الصواب، فهل تعتقد سيادة الوزير أن المعلم المسئول عن 150 طالبًا، سوف يقوم بمتابعة وتصحيح 150 تقييمًا أسبوعيًا بواقع 600 تقييم شهريًا بجانب الامتحان الشهري؟، هذا إذا افترضنا أن كل معلم يقوم بالتدريس لثلاثة فصول فقط كثافة الفصل 50 تلميذًا.
الخلاصة: يرحل وزير بخططه الإصلاحية، ويأتى آخر بأخرى إصلاحية، ونبقى نحن كما نحن فى حالة تكيف صامت وتعايش حذر مع رواية «إصلاح التعليم وسرديات تطويره».
حفظ الله مصر وأهلها من كل سوء.