إن الله حين شرع الصيام ما أراد أن يعذبنا بالجوع، ولكنه أراد أن يعلمنا معنى الجوع، لتعرف أن فى الأرض قلوبًا لا تملك أن تقول: شبعت، ولا تحسن أن تخفى وجع الحاجة. أراد لنا أن تمر على باب الفقير بقلب يقظ، لا بعين عابرة، وأن نحس بالنعمة، الشهر الفضيل ليس موسم طقوس تؤدى، بل موسم قلوب تطهر. فالصلاة تقيم صلتك بربك، والصدقة تقيم صلتك بخلق الله. ومن ظن أن العبادة علاقة منفردة بينه وبين السماء فقد غفل عن حكمة الدين، لأن الله غنى عن طاعتك، ولكن الناس فقراء إلى رحمتك. وتوزيع كراتين السلع الغذائية فى رمضان ليس حركة خير عابرة، ولا صورة تلتقط، ولا كلمة تقال، إنه ترجمة عملية لمعنى الإيمان: أن تجعل للنعمة شكراً، وللزيادة زكاة، وللغنى وظيفة، وللقوة مسؤولية. فما قيمة مائدتك عامرة، وباب جارك يطرقه الجوع؟ وما معنى أن ترفع يديك بالدعاء، وفى مقدورك أن ترفع عن غيرك بعض البلاء؟.
ولكن لهذه الصدقة تحديداً أدبا، وللعطاء قانونا فى ميزان السماء: أن تعطى وأنت تستر. وأن تدخل السرور على قلب المحتاج. فالفقير ليس قصة نزين بها صفحتنا، ولا مشهدا نجمل به خطابنا، الفقير إنسان له كرامة عند الله، وربما كان أقرب إلى الله، لأنه صابر على ما لا نطيق. ولذلك إذا أردت للكرتونة أن تكون عبادة خالصة لا عادة متوارثة، فلنجعلها تصل أولا إلى الطبقات الأكثر احتياجا: إلى من ينام وهو يحسب الأيام لا اللقمة، إلى أم تدبر القليل فتجعله كثيرا ثم تخفى دمعتها، إلى أب يحمل هم البيت ويبتسم كى لا ينكسر صغاره، إلى مريض يحتاج غذاء ودواء، وإلى يتيم يحتاج سندا. فالتوزيع العادل ليس تنظيما إداريا فقط، بل هو عدل تعبدي، لأنك حين تخطئ الهدف قد تشبع من شبع، وتترك من جاع. وحين تحسن الاستهداف تكون قد وضعت الصدقة فى موضعها، وموضعها عند الله هو الأثر لا المظهر. ولنجعل للكرتونة معنى نضع فيها ما يقيم بيتا، لا ما يسكت جوعا ساعة. سلع أساسية تعين على الشهر، لا أصناف ترهق الميزانية وتقل فائدتها. ولنذكر أن القيمة ليست فى ثقل الكرتونة، بل فى صدق النية، وحسن الصنعة، وحكمة التوزيع. ولا ننس أن الله حين ينعم علينا فهو يختبر قلبك: هل ستجعل النعمة طريقا إلى الشكر، أم بابا إلى الغفلة؟ هل سترى فى المال ملكا فتتكبر، أم ترى فيه أمانة فتتطهر؟ إن المال عند المؤمن لا يسكن القلب، بل يمر عبر اليد ليصل إلى موضع الحاجة. ومن علامة التوفيق أن يجرى الله الخير على يدك دون أن يفسدك به. فمن يريد أن يتقرب فى رمضان، فليجعل فى برنامج عبادته بند اسمه جبر الخواطر. وأعظم جبر للخواطر أن تشعر المحتاج أنه ليس وحيدا، وأن فى الأمة قلبا يسمع أنينه ولو لم يتكلم.
احبائنا وزعوا على الأكثر احتياجا، لأن العطاء إذا لم يبدأ من الأشد حاجة فقد بعض روحه. وزعوا بستر ورفق، لأن العطاء إذا جرح الكرامة لم يبق عطاء كاملا. وزعوا بعدل وحكمة، لأن الصدقة إذا ضاعت فى غير أهلها ضاع معها أجر الإتقان. رمضان يمر، لكن أثرك يبقى. قد تنسى الأطباق بعد الإفطار، لكن لا تنسى يد جاءت فى وقت الضيق. وقد يذهب الشهر، لكن دعوة محتاج صعدت فى الليل قد تصلح لك دنياك وآخرتك. اللهم اجعلنا مفاتيح للخير، مغاليق للشر، وارزقنا صدق النية، وحسن العمل، وتمام الإخلاص. آمين.