رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

قضية ورأى

ساعات قليلة تفصلنا عن شهر رمضان المعظم، مع شعائره وطقوسه ومحبته التى لا تنتهى.
فى الثقافة المصرية القريبة، كانت «المواسم»، طقسا وفرحة.. والفرحة لا تكتمل إلا باللحوم البيضاء غالبا، والحمراء لمن وجد لها سبيلا.
فى الماضى البعيد والقريب، حكمت الجغرافيا مصر، وحرمتها الصحراء من إمكانات الرعى الواسع، فأصبحت الماشية شريكة للفلاح فى أرضه الصغيرة.. هنا قمح وهناك برسيم.. هنا حبوب ذرة لرغيف الخبز وهناك سيقان ذرة للماشية.
كان الرعى مستحيلا، وإطعام الماشية صعبا، وبالتالى ذبحها يعنى «مندبة» وخسارة لا تعوض.. وبالتالى، فاللحوم الحمراء لم تكن تظهر إلا فى العيد الكبير ومولد النبى ومناسبات الزواج.
فى الريف أصبحت «الجاموسة» بمنزلة «عيل من العيال»، وإذا مرضت تتجمع حولها الأسرة والجيران والفلاحون العجائز ذوو الخبرة للتضامن وإنقاذها.. وإذا ذبحت كانت الفاجعة.
ولأن الحبوب هى الأرخص عالميا فى قائمة الغذاء، فقد أصبحت هى السائدة فى ثقافة الاستهلاك لدى المصريين، حامدين شاكرين، فى رمضان وغير رمضان.
كان رغيف العيش القمح والخليط والذرة، والفول والطعمية والعدس، يسدون الجوع اليومى.. و«الزفر» للمناسبات.
فى الثمانينيات، غطى الاستيراد جانبا كبيرا من استهلاك اللحوم، إلى أن حدثت طفرة الدواجن فى التسعينيات، وهى طفرة مستمرة حتى الآن، ونجحت فى تغطية 98% من الاستهلاك، فأصبحت الدواجن ضيف متاحا وغاليا فى بعض الأزمات.
لكن.. قبيل كل رمضان، يخرج البعض، ليعاير المصريين، باستهلاكهم «المفرط» من البط واللحوم والدواجن فى الشهر الكريم، رغم أن الأرقام تقول غير ذلك.
فالمصريون يكافحون ليأكلوا، لا ليحققوا رفاهية.
فى مصر يستهلك الفرد بالكاد 7.5 كيلو جرام لحوما حمراء فى العام، أى زيادة قليلة عن نصف كيلو فى الشهر، مقابل
متوسط استهلاك 46 كيلو جرام فى الأرجنتين، و44 كيلو فى زيمبابوى، و38 كيلو فى الولايات المتحدة.
ليس ذلك فقط.. بل إن الآباء أكلوا أكثر من الأبناء، إذ انخفض نصيب المصريين من اللحوم الحمراء خلال السنوات العشر الأخيرة، إلى 7.5 كيلو للفرد سنويا مقابل 19 كيلو جراما فى 2015، كنتيجة طبيعية للارتفاع الجنونى فى الأسعار.
وهكذا زادت الفجوة بين اللحوم الحمراء والمائدة المصرية.
فى مصر يستهلك الطعام الجزء الأكبر من الراتب، بمعدلات بين 35 ـ 45%، وهى من أعلى النسب فى العالم، وقد تصل إلى 50% للأسر ذات الدخل المحدود.
فى الخليج، تنخفض النسبة لما بين 14 ـ 18%، مما يترك مساحة أكبر للترفية والسفر والادخار طبعا.
فى أوروبا العتيقة، تنخفض النسبة أكثر لنحو 12 ـ 15%، وربما إلى 11% فى دولة كألمانيا.
وطبعا إذا أخذنا فى الاعتبار اختلاف قيمة العملة والدخل بين مصر وتلك الدول، فإن النسب السابقة المخصصة للطعام والشراب فى الخليج وأوروبا هامشية، بخلاف نوعية الطعام نفسه.
المهم أنه وبعد كل هذا السرد، يأتى من يعاير المصريين باستهلاكهم من اللحوم فى رمضان!
الإسراف منهى عنه فى جميع الشرائع السماوية، والثقافات.. لكن الجوع أيضا «كافر» كما يقول المثل.. فالجوع يهدم كبرياء الناس والمجتمعات.
وأبواب اللحمة الحمراء يفضلها كثيرون على أبواب الحرية.