تعرض إحدى المنصات الشهيرة مسلسل أمريكى عن المجتمع البريطانى المخملى الأرستقراطى فى بدايات القرن التاسع عشر 1815 اسمه بريدريجتون وهو مسلسل عن رواية شهيرة بذات الاسم أنتجت عام 1920 فى خمسة أجزاء ونالت العديد من الجوائز وحققت نسب مشاهدة عالية جدًا
يحكى المسلسل حكاية عدة عائلات بريطانية ذات أصول عريقة وتحمل ألقاب ولديها أملاك شاسعة وقرابة مع ملكة إنجلترا، ويتخلل المسلسل مشاهد جنسية فاضحة وصادمة وكأنه فيلم بورنو ويروج للمثلية بالتوازى مع عرض حفلات راقصة لتلك الحقبة الزمنية ويستعرض مناظر طبيعية عن حياة النبلاء واللوردات فى بريطانيا العظمى البلد الاستعمارى العتيد؛ لكن المثير للسخرية والعجب والتساؤل كيف أن ملكة بريطانيا سمراء من أصول أفريقية وصديقتها الصدوق كونية زنجية والمضحك المبكى فى الدراما أن الأفارقة السود هم الكثرة فى البلاط الملكى البريطانى ومعظمهم من النبلاء الذين يحظون برتب وألقاب ملكية مثل اللورد والكونت والدوق وحتى الأمير؟.. هؤلاء الأفارقة السود كما صورهم العمل بريطانيون من أصول بريطانية هم ذاتهم الذين كانوا فى التاريخ الحقيقى وليس المزيف، يمنعون من المرور أمام قصور النبلاء ولا يخالطون الإنجليز ولا يدخلون بيوتهم إلا كخدم وعبيد يتم قنصهم واصطيادهم من مستعمرات إفريقية ويوضعون فى السفن الأوروبية مصفدين مكبلين بالسلاسل الحديدية داخل أقفاص محكمة الغلق ويعاملون مثل الحيوانات ويعذبون ضربًا واعتداءات جنسية وقد يموتون من الأمراض والجوع والقهر والضرب فى أبشع صور الاستعمار والاتجار بالبشر؛ ولم يتم تحرير العبيد فى بريطانيا إلا فى عام ١٩٣٣، وقبل هذا كانوا مجرد أملاك؛ أما تجارة العبيد فقد ألغيت على الورق عام ١٩٠٧… إن ما ارتكبته أوروبا من فظائع مروعة وممارسات لا أدمية تجاه السود يظل وصمة عار تطارد الحضارة المزعومة وتؤكد العنصرية الفجة التى كانت تتبعها بريطانيا تجاه الأفارقة، ولم يكن هناك مكان لهؤلاء السود الأفارقة فى المجتمع البريطانى ولا لديهم ألقاب وأملاك فى السلم الاجتماعى لكن المسلسل الأمريكى الصنع قادر علو نشر الفجور وأيضًا تزيف التاريخ وجعلهم جزءًا من المجتمع، بل ومن كبار النبلاء والملاك يتزوجون من الأميرات والجميلات، بل ويتقرب لهم الجميع ويمرحون فى البلاط الملكى بندية الأصدقاء، وكأاننا لم نقرأ قصص التعذيب والإذلال، ولم نعرف ما تعرض له هؤلاء العبيد السود بسبب الجنس البشرى المختلف عن أصحاب البشرة البيضاء على مدار عقود من ظلم وقهر، وكم حارب ليحصل على حريته ثم أدميته وحقه المشروع فى الحياة والمساواة؟.. أليس هذا أكبر تزييف وتدليس للتاريخ الأسود المشين للحضارة الغربيه؟.. ومع مرور الوقت سوف ينسى الجيل والأجيال القادمة عنصرية أجدادهم وحضارتهم وقد يتم محو الوثائق من الفضاء الإلكترونى أو تغييرها عبر الذكاء الاصطناعى، وتسقط آلاف الصفحات والمدونات والصور من تاريخ البشرية..
أما الواقع الحالى الذى يدمره الإعلام وتشوهه الدراما فهو الواقع الذى نعيشه، وتلك الأعمال التى تقدم نماذج وشخوصًا مثيرة للجدل تخرق كل القوانين وتخاف كل التقاليد وتضع قوانين جديدة، خاصة بها من عشوائية وسوقية وبلطجة وتدنٍ لفظى بدعوى واقعية جديدة، وأن الفن يعكس الواقع وتبتدع موسيقى وأغانى تسمى مهرجانات بأصوات مثل أنكر الأصوات وكلمات لا تسمع الإ فى المواخير..
الفن يرتقى بنا ويجعلنا أفضل وأرقى وأكثر جمالًا.. ولكن القضية أن من يسيطر على الدراما هم شركات الإعلانات التى تريد الترند وتحقيق الربح والمشاهدة ولا يهم ماذا يقدم وكيف يقدم.. غابت الرؤية والرقابة والإبداع ولم يبق إلا هيمنة المال وسطوة من يحتكرون كل شىء فى هذا المجال باسم الربح والمكسب والخسارة حتى وإن كانت خسارة الإنسان والمجتمع.. الغريب أن كبار المسئولين من محافظين ووزراء ورؤساء جامعات وإعلاميين يكرمون تلك الشخوص وهاتى النماذج غير الفنية لأنهم ترند ولديهم متابعون.. وزارة الإعلام ومعها الثقافة على المحك، وبدلًا من التناحر والخناق والتلاسن عن الأحكام القضائية كلاهما يجب أن يسرع بوضع الإستراتيجية والرؤية والرسالة وأليات الإصلاح السريع لأخطر أجهزه الدولة إعلام وثقافة والتى لا تقل أهمية عن التعليم والأمن الوطنى والداخلية.. التاريخ يتغير ويحذف، والواقع يدمر ويتهاوى ولكن يظل هناك حراس للفكر والإبداع والجمال.