ساعات فقط تفصلنا عن شهر رمضان المبارك، الذى نرجو أن تسوده الطمأنينة والتكافل الاجتماعى، بعد أن أصبح الشهر الفضيل، فى السنوات الأخيرة، عنوانًا بارزًا لقلق اقتصادى متزايد، يتعلق بالغلاء، خاصة فى السلع الأساسية التى تمثل العمود الفقرى للإنفاق الأسرى.
وما بين التطلعات إلى شهر الرحمة، وواقع الأسواق المتقلب، تكمن المعادلة الصعبة، التى تتطلب إدارة رشيدة وتدخلًا حاسمًا، فى الارتفاع غير المبرر للأسعار، الذى وإن كان فى جزء منه انعكاسًا لعوامل اقتصادية معروفة، إلا أنه يرتبط فى الأساس بممارسات جشع تستغل الظروف لتحقيق أرباح استثنائية.
ندرك جميعًا أن شهر رمضان ليس موسمًا استهلاكيًا بقدر ما هو محطة روحية مهمة وعبادات، إلا أن الواقع مغاير لذلك، إذ يتزايد الطلب على المواد الغذائية، فى ظل موجات متتالية من ارتفاع أسعار السلع الأساسية، مثل الحبوب، الزيوت، السكر، اللحوم، ومنتجات الألبان.
للأسف، ظاهرة الغلاء فى السلع الأساسية أصبحت ممارسات لا تتوقف، والأسرة تجد نفسها أمام معادلة صعبة، بين ثبات الدَّخل وزيادة المصروفات، وهنا تتفاقم الإشكالية، حين تتداخل زيادة الأسعار مع مظاهر احتكار أو نقص مصطنع فى المعروض، ما يخلق بيئة خصبة للمضاربة والتلاعب، وهنا تصبح الرقابة على الأسواق ضرورة وليست خيارًا.
وبما أن تكثيف الرقابة خلال الشهر الفضيل أصبح ضرورة ملحة، فالمطلوب ليس حملات موسمية عابرة، بل منظومة رقابية مستدامة، تعتمد على رصد يومى للأسعار، وتتبع دقيق لحركة السلع عبر سلاسل الإمداد، وتفعيل صارم لأدوات الردع القانونى.
لذلك يجب إعلان الأسعار الاسترشادية، وتوسيع منافذ بيع السلع المدعومة أو منخفضة التكلفة، وإيجاد أدوات أخرى عملية وواقعية، للحد من التقلبات والارتفاعات القياسية غير المبررة فى الأسعار.
إن ملف الأسعار، يكتسب أهمية كبرى، فى هذا الشهر الفضيل، خصوصًا مع التشكيلة الحكومية الجديدة، فشهر رمضان يشكل اختبارًا مبكرًا لقدرة الحكومة على إدارة التحديات المعيشية ذات الأولوية القصوى، ولذلك فإن المواطن لا ينتظر خطابات طمأنة، بقدر ما يترقب نتائج ملموسة، تتمثل فى استقرار نسبى فى أسعار السلع الأساسية، وتراجع مظاهر الاستغلال والجشع.
كما تطمح الأسر فى رؤية سياسات تنفيذية متماسكة تعكس فهمًا دقيقًا لبنية السوق وتعقيداتها، لأن إدارة ملف الأسعار لا تقتصر على التدخل الرقابى فحسب، بل تشمل أيضًا تنسيقًا فعالًا بين كافة الأجهزة الرقابية، إلى جانب وجود خطاب رسمى يتسم بالمصارحة والوضوح، يعترف بالتحديات ويعرض مسارات الحل دون مبالغة أو إنكار.
إن نجاح الحكومة فى ضبط إيقاع الأسواق خلال رمضان سيشكل مؤشرًا قويًا على كفاءتها وقدرتها على إدارة الملفات الأكثر اتصالًا بحياة الناس اليومية، أما الإخفاق، فسيعزز الشعور بالضغط الاقتصادى ويضعف الثقة!
وبين هذين الاحتمالين، يظل رمضان فرصة وطنية لإعادة الاعتبار لقيم العدالة والانضباط والمسئولية، لتتكامل أدوار الدولة والسوق والمجتمع، لحفظ التوازن الاجتماعى وحماية الفئات الأكثر فقرًا أو محدودة الدخل.
[email protected]