هابل يكشف جمال سديم البيضة في لحظة وداع نجم يحتضر
في صورة جديدة تعيد تذكير العالم بقوة التلسكوبات الفضائية الكلاسيكية، نجح Hubble Space Telescope في تقديم أوضح رؤية حتى الآن لما يُعرف بـ«سديم البيضة»، أحد أندر الأجسام الفلكية التي ترصد مرحلة انتقالية قصيرة في حياة النجوم. الصورة، التي التقطها التلسكوب الشهير التابع لوكالة NASA بالتعاون مع شركاء علميين، لا تكتفي بإبهار العين، بل تفتح نافذة علمية مهمة لفهم الكيفية التي تنهي بها النجوم متوسطة الكتلة رحلتها في الكون.
يقع سديم البيضة على مسافة تُقدَّر بنحو ثلاثة آلاف سنة ضوئية من كوكب الأرض، ويُصنف ضمن ما يُعرف بالسدم قبل الكوكبية، وهي مرحلة نادرة وقصيرة نسبيًا في عمر النجوم. في هذه المرحلة، يبدأ النجم المركزي في فقدان طبقاته الخارجية، مطلقًا كميات هائلة من الغاز والغبار في الفضاء المحيط به، قبل أن يتحول لاحقًا إلى سديم كوكبي كامل.
الصورة الجديدة التي التقطها هابل تُظهر تفاصيل لم تكن واضحة بهذا القدر من قبل. ففي قلب السديم، يختبئ نجم مركزي خلف غلاف كثيف من الغبار والغاز، بينما تنفذ منه أربعة مسارات ضوئية واضحة، أشبه بحزم من الضوء تشق طريقها عبر هذا الغلاف الكوني السميك. هذه الحزم ليست مجرد تأثير بصري، بل دليل مباشر على التفاعلات العنيفة التي تحدث عندما يبدأ النجم في التخلص من مادته.
وحول هذا القرص الكثيف، ترصد الصورة تدفقات سريعة من غاز الهيدروجين الجزيئي الساخن، تتحرك بسرعات عالية على جانبي السديم. وتظهر في المشهد أيضًا حلقات متتالية من الغاز، تتخذ شكل تموجات دائرية، ما يشير إلى أن النجم لم يقذف مادته دفعة واحدة، بل على مراحل متعاقبة تفصل بينها مئات السنين. هذا النمط يمنح العلماء فرصة نادرة لإعادة بناء التاريخ الزمني للنجم، وكأنه سجل كوني محفوظ في الضوء.
وتبرز في الصورة درجات لونية مائلة إلى البرتقالي، ناتجة عن توهج الأشعة تحت الحمراء، وهي إشارات لا تُرى بالعين المجردة، لكنها تكشف عن درجات حرارة وتركيبات كيميائية دقيقة داخل السديم. مثل هذه البيانات تساعد الباحثين على فهم طبيعة المواد التي تُقذف في الفضاء، والتي تشكل لاحقًا اللبنات الأساسية لتكوين نجوم وكواكب جديدة.
ورغم أن تلسكوبات أحدث، مثل «جيمس ويب»، باتت تحظى بالاهتمام الأكبر في السنوات الأخيرة، فإن هذه اللقطة تؤكد أن هابل لا يزال أداة علمية فعالة، قادرة على تقديم صور ذات قيمة بحثية عالية. فمقارنة هذه الصورة بصور سابقة لسديم البيضة، التُقطت على مدار عقود، تتيح لعلماء الفلك تتبع التغيرات البطيئة التي تطرأ على السديم، ورصد تطور بنيته مع مرور الزمن.
ويُذكر أن سديم البيضة اكتُشف لأول مرة عام 1975، ومنذ ذلك الحين يُعد هدفًا مفضلًا للباحثين بسبب ندرته. فمرحلة السدم قبل الكوكبية لا تستمر سوى بضعة آلاف من السنين، وهي فترة قصيرة للغاية بمقاييس الزمن الكوني، ما يجعل رصدها تحديًا حقيقيًا. كما أن هذه الأجسام غالبًا ما تكون خافتة، ومخفية خلف سحب كثيفة من الغبار، وهو ما يزيد من صعوبة اكتشافها.
بعيدًا عن التحليل العلمي، تحمل الصورة بعدًا إنسانيًا وجماليًا واضحًا. فهي تذكير بصري بأن نهاية النجوم ليست حدثًا مظلمًا، بل عملية مدهشة، مليئة بالألوان والحركة، تساهم في تجديد الكون. فالمواد التي يطلقها هذا النجم المحتضر اليوم قد تصبح، بعد ملايين السنين، جزءًا من نجم جديد أو نظام كوكبي آخر.
بهذا المشهد الآسر، يواصل هابل أداء دوره كعين البشرية على الفضاء السحيق، موثقًا لحظات نادرة في حياة الكون، ومثبتًا أن الصور العلمية يمكن أن تجمع بين الدقة البحثية والجمال الخالص في آن واحد.