سر الإبقاء على «أحمد كجوك» وزيراً للمالية
معادلة أرقام الانضباط المالى ومؤشرات الاقتصاد تضمن الاحتفاظ بـ«الكرسى»
فى توقيت اقتصادى شديد الحساسية، اختارت الدولة الإبقاء على أحمد كجوك وزيراً للمالية، فى قرار يعكس الثقة فى المسار المالى القائم أكثر مما يعكس مجرد تمسك بالأشخاص، فالمعادلة التى تحكم بقاء أى وزير مالية ترتبط أساساً بالأرقام: هل تحسنت مؤشرات الدين؟ هل ارتفعت الإيرادات دون إرهاق الاقتصاد؟ هل تراجعت المخاطر؟ وهل يتحرك القطاع الخاص بقوة؟ قراءة البيانات المعلنة خلال الفترة الأخيرة توضح أن الإجابة، من وجهة نظر صانع القرار، كانت إيجابية بما يكفى لترجيح كفة استمرار أحمد كجوك فى منصبه.
وتكشف المؤشرات أن قرار الإبقاء على وزير المالية مرتبطاً بمنطق الاستمرارية فى إدارة مسار بدأ يحقق نتائج رقمية ملموسة، وذلك من خلال فائض أولى قوى، وتراجع الدين، وانخفاض المخاطر، ونمو الاستثمارات الخاصة، وارتفاع الإيرادات دون ضرائب جديدة.
ورغم استمرار تحديات التضخم واحتياجات الإنفاق الاجتماعى، فإن المعادلة الحالية، كما تعكسها الأرقام، تميل إلى تفضيل تثبيت المسار بدل المغامرة بتغييره، ويبقى التحدى الحقيقى هو تحويل هذه التحسينات الكلية إلى أثر مباشر ومستدام يشعر به المواطن فى مستوى المعيشة وفرص العمل.
أولى ركائز قرار الإبقاء على وزير المالية فى التشكيل الوزارى الجديد تتصل بأداء الموازنة العامة. حيث أظهر الحساب الختامى للعام المالى 2024/2025 تحقيق فائض أولى بلغ 639 مليار جنيه مقابل مستهدف 591 ملياراً، وهو ما يعكس قدرة على تجاوز التوقعات رغم تغير بعض الفرضيات، خاصة ما يتعلق بإيرادات قناة السويس وزيادة الدعم الموجه لقطاع الطاقة وسداد مستحقات الشركاء الأجانب. وفى النصف الأول من العام المالى الحالى، تم تسجيل فائض أولى يقترب من 383 مليار جنيه بما يعادل 1.8% من الناتج المحلى، مقابل 1.3% فى الفترة نفسها من العام السابق، مع استقرار عجز الموازنة عند نحو 4.1% من الناتج. هذه الأرقام تعكس اتساقاً فى الأداء، لا طفرة عابرة.

الركيزة الثانية تتعلق بإدارة الدين العام والمخاطر. فقد انخفضت نسبة دين أجهزة الموازنة إلى الناتج المحلى من 96% إلى 84% خلال عامين، بينما تراجع الدين الخارجى بنحو 4 مليارات دولار خلال الفترة نفسها، فى إشارة إلى أن الدولة سددت أكثر مما اقترضت. كما التزمت الوزارة بمستهدف خفض المديونية الخارجية بمعدل يتراوح بين مليار إلى مليارى دولار سنوياً. وعلى مستوى الأسواق الدولية، تراجع سعر التأمين ضد مخاطر عدم السداد لأجل خمس سنوات إلى أقل من 270 نقطة فى يناير 2026، وهو أدنى مستوى منذ عام 2020، كما انخفض العائد على السندات الدولية بنحو 300 إلى 400 نقطة أساس مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، ووصل التراجع فى بعض الإصدارات إلى نحو 4%. وهذه المؤشرات تعنى انخفاض درجة المخاطر وتحسن تقييم الاقتصاد خارجياً.
ثالث العوامل يتمثل فى الأداء الضريبى. فقد ارتفعت الإيرادات الضريبية بنسبة 35% فى إحدى الفترات، و32% خلال الربع الأول من العام المالى الحالى، دون فرض أعباء جديدة. وتم تسجيل 650 ألف إقرار ضريبى طوعى بعد إطلاق حزم التسهيلات، فيما أسفرت المبادرة عن زيادة بنحو 600 مليار جنيه فى الإيرادات. ويشير نمو الإيرادات فى النصف الأول من العام بأكثر من 30%، بما يفوق معدل نمو المصروفات، إلى أن التحسن ناتج عن توسيع القاعدة الضريبية وتحسين الامتثال، وليس عن زيادات سعرية.
أما الركيزة الرابعة فتتعلق بالاستثمار الخاص. فقد ارتفعت استثمارات القطاع الخاص بنسبة 73% خلال العام المالى الماضى، كما سجلت زيادة بنسبة 40% خلال الربع الأول من العام الحالى. هذه القفزة تعد مؤشراً على تفاعل مجتمع الأعمال مع حزم التسهيلات الضريبية والجمركية، ومع سياسات تستهدف تعزيز الشراكة بدلاً من فرض أعباء إضافية. كما ارتفعت الصادرات الخدمية، وقفزت صادرات خدمات تكنولوجيا المعلومات من نحو نصف مليار دولار إلى ما يقرب من 5 مليارات دولار، بما يعكس توسعاً فى القطاعات ذات القيمة المضافة العالية.
وسجل معدل النمو الاقتصادى 5% فى أحد الفصول، وبلغ 5.3% فى الربع الأول من العام المالى الحالى، مع تحسن أداء قطاعات الصناعة والسياحة وتكنولوجيا المعلومات. كما تجاوز الاحتياطى النقدى 50 مليار دولار، واستمرت مصر للعام الخامس على التوالى أكبر متلقٍّ للاستثمار الأجنبى المباشر فى إفريقيا. هذه الأرقام تعزز صورة اقتصاد يتحرك فى اتجاه صعودى، ولو تدريجياً.