الأرقام تتحسن.. والمعيشة تتدهور
الحكومة الجديدة أﻣﺎم اﺧﺘﺒﺎر اﻷﺳﻌﺎر ﻻ المؤشرات
فى لحظة اقتصادية دقيقة تتداخل فيها الضغوط الداخلية مع التحولات العالمية، تجد الحكومة المصرية الجديدة نفسها أمام حزمة من الملفات الاقتصادية المعقدة التى لا تحتمل المعالجة التقليدية أو الحلول المؤقتة، بل نستطيع القول إنهم أمام تحدٍّ كبير ليس فقط تحقيق معدلات نمو أعلى، بل ضمان أن يكون هذا النمو مستداماً وقادراً على توفير فرص العمل، وتخفيف الأعباء المعيشية عن المواطنين، حيث تحمل المواطن خلال الفترة الماضية العبء الأكبر من الضغوط الاقتصادية، والتى تأكل فيها القوة الشرائية بفعل موجات تضخمية متتالية، بينما لا تنمو الدخول بالوتيرة نفسها.
وتشير بيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن معدلات التضخم المرتفعة خلال الأعوام الأخيرة انعكست مباشرة على أسعار الغذاء والسكن والخدمات الأساسية، ما ضاعف الأعباء على الطبقات المتوسطة ومحدودى الدخل، لذلك ترصد خلال التقرير التالى اهم النقاط والملفات التى يحتاجها المواطن من الحكومة الجديدة، خاصة أن الإصلاح الاقتصادى لا يقاس فقط بمؤشرات العجز والدين، بل بمدى شعور المواطن بتحسن فعلى فى مستوى معيشته واستقراره المالى.
خلق فرص عمل
الحكومة مطالبة بإحداث دفعة فعلية فى النمو الاقتصادى بما يتجاوز المعدلات الحالية وإشراك القطاع الخاص لخلق وظائف حقيقية، خاصة للشباب، حيث إن النمو المصرى لا يزال يتعرض للضغوط العالمية، وغير كافٍ فقط التحسن النسبى فى بعض القطاعات دون خلق فرص حقيقية للعمالة، وفق تقرير للبنك الدولى، يدخل سوق العمل فى مصر نحو 1.3 مليون شاب سنوياً لكن الاقتصاد لا يخلق سوى نحو 500 ألف وظيفة فى العام نفسه، ما يبرز فجوة كبيرة فى امتصاص اليد العاملة وتوظيفها فى وظائف منتجة ومستدامة.
تحفيز الاستثمار وتسهيل الإجراءات
إن الحكومة مطالبة بتسريع الإجراءات ودعم المستثمرين وتقليص البيروقراطية فى الإفراجات الجمركية وتسهيل تسجيل الشركات والخدمات، حيث ما زالت التعقيدات الإدارية والبيروقراطية أحد أكبر العوائق أمام المستثمرين، حيث تضطر الشركات إلى المرور بسلسلة طويلة من الموافقات قبل بدء التشغيل الفعلى لمشروعاتها، ما يرفع التكاليف ويؤخر تنفيذ الخطط. رغم إطلاق منصات رقمية وتطوير آليات «نافذة واحدة»، فإن الإجراءات لا تزال بطيئة فى بعض الوزارات والهيئات، ما يحد من سرعة انسياب الاستثمار.
حماية حقوق الملكية وحل النزاعات
رغم أن مصر طرف فى اتفاقيات تحكيم دولية، فإن الاعتراف بتنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية لدى المحاكم المحلية يظل متبايناً، ما يزيد من مخاطر النزاعات التجارية. ويستغرق حل النزاعات التجارية غالباً 3–5 سنوات فى المتوسط، ما يضع المستثمرين أمام مخاطر زمنية وتشغيلية.
السيطرة على التضخم ورفع القدرة الشرائية
التضخم وتدهور القوة الشرائية للمواطنين لا يتراجع بالسرعة الكافية رغم بعض التحسنات فى عروض الأسعار لدى السلع، حيث عملت الحكومة خلال الفترة الماضية على التركيز على أرقام التضخم السنوية دون معالجة الأسعار الأساسية التى تؤثر فى الحياة اليومية. رغم تسجيل تراجع فى معدل التضخم السنوى منذ ذروة 2023، فإن الأسعار لا تزال مرتفعة بالنسبة لأغلب الأسر. ووفق بيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، بلغ معدل التضخم العام نحو 10.1% فى يناير 2026، مع استمرار ارتفاع أسعار السلع الأساسية مثل الغذاء والمشروبات، ما يضغط على ميزانيات الأسر.
تطبيق الحد الأدنى للأجور
من بين الملفات الاقتصادية والاجتماعية التى لا يمكن تجاهلها فى المرحلة المقبلة، يأتى تطبيق نظام فعال للحد الأدنى للأجور، لما له من تأثير مباشر على تحسين القوة الشرائية للمواطنين وتقليل آثار التضخم على الأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط. فبينما تظل الأجور ثابتة أو ترتفع بمعدلات أقل من ارتفاع الأسعار، يتحول الحيز الحقيقى للدخل إلى ضغط مستمر على المستهلكين، ما يعزز الحاجة إلى آلية تضمن حداً أدنى معيشياً يوازن بين تكلفة الحياة ومتطلبات الأسرة.
التحدى الحقيقى أمام الحكومة الجديدة لا يتمثل فى تحسين المؤشرات الاقتصادية فحسب، بل فى تحويل هذه المؤشرات إلى أثر ملموس فى حياة المواطنين؛ فالمواطن ينتظر تحسناً حقيقياً فى مستوى معيشته، لا مجرد أرقام إيجابية فى التقارير. والنجاح فى المرحلة المقبلة مرهون بقدرة الحكومة على تحقيق توازن دقيق بين الاستقرار المالى، وتحفيز النمو، وحماية الفئات الأكثر تأثراً بالتغيرات الاقتصادية.