هل أبَوَيِ النبي ﷺ من المشركين وهما في النار؟.. علي جمعة يكشف
كشف الدكتور علي جمعة مفتي الجمهورية الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، أن محبةُ النبي ﷺ من أفضل القُرُبات؛ ويكفينا لمعرفة تلك المكانة حديثُ النبي ﷺ الذي يقول فيه: «والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين» (أخرجه أحمد، والبخاري).
محبة النبي صلى الله عليه وسلم
وأوضح جمعة أنه لا شكَّ أن الحبَّ يتنافى مع رغبة الإيذاء لمن يحب، ولا شكَّ كذلك أن الحديثَ بسوءٍ عن أبَوَيْه ﷺ يؤذي النبيَّ ﷺ؛ وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: 61]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب: 57]. ولقد نهانا الله صراحةً عن أذية رسول الله ﷺ، ومشابهة اليهود ـ لعنهم الله ـ في ذلك؛ فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: 69]. قال القاضي: فنحن لا نقول إلا ما يرضي ربَّنا، ويرضي رسولَنا ﷺ، ولا نتجرأ على مقامه الشريف، ولا نؤذيه ﷺ بالكلام بما لا يرضيه ﷺ.
وأضاف المفتي الأسبق أنه يجب أن نعلم آباءَ النبيِّ ﷺ وأجدادَه، إن ثبت وقوعُ بعضهم فيما يظهر أنه شركٌ، فإنهم غيرُ مشركين؛ وذلك لأنهم لم يُرسل إليهم رسول. فأهلُ السنة والجماعة قاطبةً يعتقدون أن مَن وقع في شركٍ وبدَّل شرائعَ التوحيد في الفترة ما بين نبيٍّ ونبيٍّ لا يُعذَّب، والأدلة على ذلك كثيرة؛ منها قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]، وقوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ [الأنعام: 131]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: 208]، وقوله عز وجل: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: 165]. فلا تقوم الحجة على الخلق إلا بإرسال الرسل، وبغير إرسال الرسل فالبشر غيرُ محجوجين برحمة الله وفضله.
النبي صلى الله عليه وسلم
وأكد أن هذه الآيات تدل على ما يعتقده أهلُ الحق، أهلُ السنة والجماعة: أن الله برحمته وفضله لا يعذب أحدًا حتى يُرسل إليه نذيرًا. وقد يقول قائل: لعل أبَوَيِ النبيِّ ﷺ أُرسل إليهما نذيرٌ، وهما أشركا بعد بلوغ الحجة؛ فهذا لا يسعفه نقلٌ، بل جاءت النصوص تنفيه وتؤكد عكس ذلك؛ قال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ [سبأ: 44]، وقال سبحانه: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: 46]، وقال عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: 59].
وأشار جمعة إلى أن النصوص السابقة دلت على أن أبَوَيِ النبيِّ ﷺ غيرُ مُعَذَّبَيْن؛ لا لأنهما أبَوَاه ﷺ، بل لأنهما من جملة أهل الفترة التي علمنا من هم، وحكمهم بما استقر عند المسلمين. قال الشاطبي: جرت سنته سبحانه في خلقه: أنه لا يؤاخذ بالمخالفة إلا بعد إرسال الرسل؛ فإذا قامت الحجة عليهم، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، ولكل جزاءٌ مثله (الموافقات). وقال القاسمي في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15] ما نصه: «وما صحَّ، وما استقام منا، بل استحال في سنَّتنا المبنية على الحِكَم البالغة، أن نعذِّب قومًا حتى نبعث إليهم رسولًا يهديهم إلى الحق، ويردعهم عن الضلال؛ لإقامة الحجة، وقطعًا للعذر» (محاسن التأويل).
قال ابن تيمية: «إن الكتاب والسنة قد دلَّا على أن الله لا يعذب أحدًا إلا بعد إبلاغ الرسالة؛ فمن لم تبلغه جملةً لم يعذِّبه رأسًا، ومن بلغته جملةً دون بعض التفصيل لم يعذِّبه إلا على إنكار ما قامت عليه الحجة الرسالية» (مجموع الفتاوى).
وتابع أما ما يدل على نجاة أبَوَيْه بخصوصهما، دون الدليل العام الخاص بأهل الفترة، فهو قول الله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: 219]؛ فعن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ قال: أي في أصلاب الآباء: آدم ونوح وإبراهيم حتى أخرجه نبيًّا (تفسير القرطبي، وتفسير الطبري).
وعن واثلة بن الأسقع أن النبيَّ ﷺ قال: «إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» (أخرجه أحمد، ومسلم، واللفظ لأحمد). وعن عمِّه العباس رضي الله عنه أن النبيَّ ﷺ قال: «إن الله خلق الخَلق فجعلني من خيرهم، من خير قرنهم، ثم تخيَّر القبائل فجعلني من خير قبيلة، ثم تخيَّر البيوت فجعلني من خير بيوتهم؛ فأنا خيرهم نفسًا وخيرهم بيتًا» (أخرجه أحمد، والترمذي). فوصف رسولُ الله ﷺ أصولَه بالطاهرة والطيبة، وهما صفتان منافيتان للكفر والشرك؛ قال تعالى في وصف المشركين: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: 28].



