الحكمة من تعلم القرآن وتعليمه في الشرع
حثَّ الشرع الشريف على تعلم القرآن وتعليمه، وتظاهرت الأدلة الشرعية على ذلك: فأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن متعلمَ القرآن ومعلِّمَه خيرُ الأمة؛ فقال: «خَيْرُكُمْ -وفي رواية: إِنَّ أَفْضَلَكُمْ- مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» رواه البخاري من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه.
تعلم القرآن الكريم
قال الإمام أبو الحسن بن بطال في "شرح البخاري" (10/ 256، ط. مكتبة الرشد): [حديث عثمان يدل أن قراءة القرآن أفضل أعمال البر كلها؛ لأنه لما كان مَن تعلم القرآن أو علَّمه أفضلَ الناس وخيرَهم دلَّ ذلك على ما قلناه؛ لأنه إنما وجبت له الخيريةُ والفضلُ مِن أجل القرآن، وكان له فضلُ التعليم جاريًا ما دام كلُّ مَن علَّمه تاليًا] اهـ.
وبيَّن النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم أن حافظ القرآن وقارئَه مع الملائكة في المنزلة؛ فقال: «مَثَلُ الَّذِي يَقْرأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ حَافِظٌ لَهُ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَمَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَهُوَ يَتَعَاهَدُهُ، وَهُوَ عَلَيْهِ شَدِيدٌ، فَلَهُ أَجْرَانِ» رواه الإمام البخاري في "صحيحه" من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.
وحافظ القرآن لا تمسه النار؛ فروى الإمام أحمد في "مسنده" والدارمي في "سننه" عن عقبة بن عامر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَوْ أَنَّ الْقُرْآنَ جُعِلَ فِي إِهَابٍ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ مَا احْتَرَقَ»، قال الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه: [«في إهابٍ» يعني: في قلب رجل، هذا يُرْجَى لمَن القرآنُ في قلبه أن لا تمسه النار] اهـ. نقلًا عن "الآداب الشرعية" للعلامة ابن مفلح (2/ 33، ط. عالم الكتب).
حكم تعلُّم القرآن الكريم وتعليمه
تعلُّم القرآن الكريم وتعليمه من الأمور المطلوبة طلبًا مؤكَّدًا في الشريعة الإسلامية؛ على مستوى الأمة، وعلى مستوى الفرد:
فأمَّا على مستوى الأمة والجماعة: فقد أجمع العلماء على أنه يجب على المسلمين القيام على حفظ القرآن الكريم حفظًا ونقلًا وتعلُّمًا وتعليمًا، وأن حفظَ القرآنِ كلِّه وضبطَه فرضُ كفاية على جماعة المسلمين؛ إن قام به بعضهم سقط الإثم عن باقيهم، وإن تركوه جميعًا أثموا جميعًا؛ قال الإمام ابن حزم في "مراتب الإجماع" (ص: 156، ط. دار الكتب العلمية): [وَاتَّفَقُوا على اسْتِحْسَان حفظ جَمِيعه وَأَن ضبط جَمِيعه على جَمِيع الْأمة وَاجِب على الْكِفَايَة لَا مُتَعَيَّنًا] اهـ.
وأما على مستوى الفرد: فقد أجمعوا على أنه يجب على المكلف أن يحفظ من القرآن ما يقيم به صلاته وفرضه؛ قال الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه: [الذي يجب على الإنسان من تعليم القرآن والعلم: ما لا بد له منه في صلاته وإقامة عينه] اهـ. نقلًا عن ابن مفلح في "الآداب الشرعية" (2/ 33).
وقال ابن حزم في "مراتب الإجماع" (ص: 156): [وَاتَّفَقُوا على أَن حفظ شَيْء من الْقُرْآن وَاجِب، وَلم يتفقوا على مَاهِيَّة ذَلِك الشَّيْء وَلَا كميته بِمَا يُمكن ضبط إجماع فِيهِ، إلا أَنهم اتَّفقُوا على أَنَّ مَن حفظ أمَّ الْقُرْآن ببِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم كلهَا وَسورَة أُخْرَى مَعهَا فقد أدَّى فرض الْحِفْظ، وَأَنه لَا يلْزمه حفظ أَكثر من ذَلِك] اهـ.
والكتابة من أكثر الوسائل مساعدة على حفظ القرآن الكريم وتعلمه، ولذلك كانت هي أنجع وسيلة للحفظ في مكاتب تحفيظ القرآن الكريم للطلبة عبر الأجيال.
حكم حفظ القرآن
حفظ القرآن واجبٌ كفائيٌّ على أهل كل بلدة ليظل القرآن الكريم محفوظًا بينهم، وهو واجب عيني على كل فرد فيما يتأدى به فرض الصلاة، ومن المقرر أن "الوسائل لها أحكام المقاصد"؛ فإذا تعينت وسيلةٌ ما لأداءِ واجبٍ ما فهي واجبةٌ؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وإذا ضاق الأمر اتسع.
ومن مقاصد الشرع تيسير حفظ القرآن الكريم؛ فقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: 17].
قال الإمام الرازي في "تفسيره" (29/ 300، ط. دار إحياء التراث العربي): [فيه وجوه؛ الأول: للحفظ، فيمكن حفظه ويسهل، ولم يكن شيء من كتب الله تعالى يُحفظ على ظهر القلب غير القرآن، وقوله تعالى: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أي: هل مَن يحفظ؟] اهـ.
وقال الإمام القرطبي في "تفسيره" (17/ 134، ط. دار عالم الكتب): [أي: سهَّلناه للحفظ وأعنَّا عليه مَن أراد حفظه، فهل مِن طالبٍ لحفظه فيعان عليه؟.. وقال سعيد بن جبير: ليس مِن كُتُبِ الله كتابٌ يُقرَأُ كلُّه ظاهرًا إلا القرآن] اهـ.
فما يسر الله تعالى حفظَه إلا واقتضى ذلك تيسير الوسائل لدرك هذه الغاية الشريفة.
والمسلمون مكلَّفون بما في وسعهم وطاقتهم، ولم يحمِّلهم الشرع إلَّا على قدر ما آتاهم الله من الوسائل لتحقيق المقاصد؛ قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، وقال سبحانه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: 7]، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِذا أَمرتكُم بِأَمْر فائتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم» رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض