من شعبان إلى رمضان منهج النبوة في صناعة الاستمرارية الإيمانية
يعد المنهج النبوي في استثمار شهر شعبان منطلق أصيل لتحقيق ديمومة العبادة في رمضان وما بعده، تطبيق عملي لفلسفة وصال الطاعات الزماني التي تنقل المؤمن من عارِضِ الطفرة الإيمانية إلى مقام الاستقامة الراسخ.
فلسفة الزمن وصناعة الاتصال الروحي في المنهج النبوي
إن المتأمل بعين البصيرة في النسق النبوي يدرك أن الزمان ليس مجرد أوعية فارغة، بل هو مجالات حيوية لصياغة الإنسان، ففي مدرسة النبوة، لا يُنظر إلى رمضان كشهر منعزل، بل كذروة لمسار يبدأ من قبل شهر شعبان، إن صناعة الاستمرارية الإيمانية هي المقصد الأسمى لتنوع مواسم الطاعات؛ حيث يتم تطويع النفس لتعتاد القُرب الإلهي. وكما أن الحروف المقطعة في أوائل السور هي إشارة لـعجز العقل عن الإحاطة بكل أسرار الوحي، فإن تتابع المواسم الإيمانية إشارة لعجز النفس عن الاستقامة دون تمهيد وتربية بتنويع العبادات، فالمنهج القويم يقتضي أن يسبق "عالم الشهادة" (العمل الظاهر في رمضان) إعدادٌ حقيقي في "عالم الغيب" (النية والتهيؤ في شعبان) لِيُدركَ المؤمن أنَّ قدرةَ الاستمرار على الطاعة مَدَدٌ من الخالق لا مجرد جهد من الـمخلوق.
شعبان عتبة التخلية وبوابة اليقين
يُمثل شهر شعبان في الرؤية النبوية مقام التذكير المعرفي والعملي؛ حيث يُدرب النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته على عمارة أوقات الغفلة، وفي هذا المقام يبرز الحديث النبوي الشريف كأصلٍ للمنهج: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» [سنن النسائي:٢٣٥٧]، إن نفي "الرَّيبِ" في اليقين الإيماني يبدأ من صِدق العمل في الخفاء؛ فمن غَلَبَهُ "اليقينُ" في شعبان لِتزكية إيمانهِ بمواطن التكليف، نال الفتح في رمضان، فشعبان هو مدرسة التخلية من علائق الغفلة، تمهيدًا لـ التحلية بأنوار الفريضة، وهو تطبيق عملي لقوله تعالى : ﴿فَإِذَا فَرَغۡتَ فَٱنصَبۡ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرۡغَب﴾ [الشرح: ٧-٨].
موقف الإسلام من الانقطاع عن العبادات بعد مواسم الطاعات.
يقف الإسلام موقفًا حازمًا من اختزال الإيمان في أزمنة محددة مع إهمال سائر العمر؛ فرب رمضان هو رب شعبان وهو رب سائر الشهور والأعوام. إن الفلسفة الإسلامية للوقت تقوم على الاستغراق الكلي في العبودية، والآيات القرآنية صريحة في طلب الدوام على الطاعة حتى لحظة اللقاء الأخير : ﴿وَٱعۡبُدۡ رَبَّكَ حَتَّىٰ یَأۡتِیَكَ ٱلۡیَقِینُ﴾ [الحجر: ٩٩] . فالموقف الشرعي يعتبر أن الانقطاع الكلي بعد رمضان هو علامة على خَلل في تصور العبادة، بينما الاستمرارية التي بدأت نواتها في شعبان هي أمارة القبول والفتح الإلهي.