ونحن مقبلون على شهر رمضان المبارك ظهرت كالعادة أزمة فى سوق الدواجن، وندعو الله أن يقطع لنا تلك العادة، لأن أسباب الأزمة واحدة وكذلك طرق معالجتها لا تتغير، فبدأت الحرب تشتعل بين أطراف الأزمة حول الأسعار ومدى جدوى استيراد «الدواجن المجمدة» من عدمه.
فجاءت وجهة النظر الحكومية واضحة بأن التنسيق الذى تم بين وزارتى التموين والزراعة لاستيراد الدواجن المجمدة جاء لمواجهة عمليات الاحتكار فى الأسواق، «مش علشان إحنا محتاجين» كما قال المتحدث باسم وزارة الزراعة، متابعاً «إنهم يعملون على زيادة المعروض بأسعار تنافسية، بحيث لا يزيد سعر الكيلو الحى على 80 جنيهاً فى أى حال من الأحوال».
قبل تلك التصريحات المتلفزة، أكد الرئيس التنفيذى للشركة القابضة للصناعات الغذائية توافر«الدواجن المجمدة» حالياً بكميات كبيرة فى جميع معارض«أهلاً رمضان» وكل المجمعات الاستهلاكية والمنافذ التابعة للشركة على مستوى الجمهورية، بسعر 115 جنيهاً للكيلو بدلاً من 120، وذلك مع ضخ كميات منتظمة يومياً، لضمان تلبية احتياجات المواطنين.
ثم جاءت تصريحات رئيس غرفة صناعة الدواجن واصفاً قرار الاستيراد بالصائب، ويعنى أن الدولة قوية فى التعامل مع جشع التجار، وقال إن السعر العادل فى المزرعة 85 جنيهاً للكيلو، وفى المحال 95 جنيهاً، ولكن جشع التجار رفع الأسعار أكثر من ذلك بكثير.
لم ينته الجدل هنا، فأوضح بيان الاتحاد العام لمنتجى الدواجن أن لدينا حجم إنتاج مرتفعاً لدرجة تكفى الاستهلاك اليومى مع وجود فائض، وأن ارتفاع السعر خلال الأسبوع الحالى إلى 85 جنيهاً للكيلو هو سعر طبيعى نتيجة الزيادة العالية فى الطلب بسبب قيام كثير من الأسر المصرية وبعض المطاعم وفاعلى الخير بتخزين كميات كبيرة من منتجات الدواجن استعداداً لشهر رمضان الكريم.
هل نكتفى بهذا القدر؟! قطعاً لا، فقد كان هناك تحرك برلمانى لمواجهة هذا الارتفاع، فطالب أحد نواب البرلمان الحكومة باتخاذ جميع الإجراءات للحفاظ على الاستقرار النسبى الذى تشهده أسعار السلع الأساسية خلال الفترة الحالية مع ضرورة البناء على هذا الاستقرار وعدم السماح بإهداره، قائلاً: إن الدواجن تمثل إحدى السلع الرئيسية على موائد المصريين، وأى زيادات غير مبررة فى أسعارها تنعكس مباشرة على الأمن الغذائى والقدرة الشرائية للمواطن، مشيراً إلى أن التعامل الحاسم مع هذا الملف يبعث برسالة واضحة لباقى الأسواق بأن الدولة لن تسمح بانتقال عدوى الغلاء أو المتاجرة باحتياجات المواطنين، خاصة فى موسم استهلاكى حساس كشهر رمضان.
نلاحظ فى تلك التصريحات السابقة مرادفات اعتادت عليها الأذن وألفتها، من قبيل مواجهة جشع التجار، تلبية احتياجات المواطنين، التعامل بحسم، السعر العادل، لماذا ارتفعت الأسعار.. والشاهد أن الأزمة تتكرر والمرادفات كذلك، وبات الفارق بين تكرار الأزمة هو الفارق بين «أزمة الفراخ» و«أزمة الدواجن»!؛ دون الدخول فى تفاصيل الإجابة عن السؤال الأهم: هل لدينا صناعة دواجن راسخة تلبى حاجة السوق وتحقيق الاكتفاء الذاتى من هذا المنتج مع العمل على تحقيق فائض يمكن استغلاله وقت الأزمات أو تصديره أم لا؟
وبالتزامن مع اشتعال تصريحات«حرب الفراخ» السابقة، شاهدنا زخماً إعلامياً بتواتر الأنباء عن التعديل الوزارى المرتقب، وعلى المنوال نفسه، ظهر البعض ليوضح لنا إن كان ما نترقبه تعديلاً وزارياً أم تغييراً وزارياً!، مع تضخيم خبر دعوة «النواب» إلى عقد جلسة خاصة للنظر فى طلب إجراء التعديل الوزارى، ثم التكهن بأن تلك الجلسة العاجلة تأتى لمناقشة برنامج الحكومة.
وبدأ البعض ينسب أنباء هذا التعديل المرتقب إلى المصادر المقربة أو المطلعة، وأنه سيشهد ترشيحات متنوعة لتولى الحقائب الوزارية، تشمل أحد رؤساء الهيئات المالية لوزارة اقتصادية، وأحد المحافظين لوزارة خدمية، وخبير اقتصاد دولى لوزارة اقتصادية بعد فصلها، إضافة إلى عضو مجلس النواب وأحد نواب الوزراء الحاليين، وأحد أساتذة الجامعات، وكأننا نحتاج إلى هذا الكم الهائل من التشويق والإثارة والتخمين وحل تلك الإشارات والكلمات المتقاطعة وفك ألغاز من سيأتى ومن سيرحل!
الخلاصة: الفارق بين التعديل الوزارى والتغيير الوزارى هو الفارق بين «أزمة الدواجن» و«أزمة الفراخ».
أخيراً: نحن فى حاجة مُلحة إلى تغيير السياسات وليس الأشخاص، نحن فى حاجة مُلحة إلى تغيير لغة التعامل مع الأزمات وطرق حلها لضمان عدم تكرارها.. بدلاً من ترديد الحدوتة الشهيرة التى لا تعرف نهاية: «..السطوح عايز سلم، والسلم عند النجار، والنجار عايز مسمار، والمسمار عند الحداد، والحداد عاوز بيضة، والبيضة فى بطن الفرخة، والفرخة عاوزة قمحة، والقمحة فى الأجران، والأجران عاوزة الدرَّاس..».
هذا والله أعلم