لم تكن الخرائط في منطقتنا تُرسم بالحبر على الورق، بل بالدم على الأرض وبالنار في الميادين، فمنذ مؤتمر كامبل بنرمان (1905–1907)، ووعد بلفور (1917)، مروراً بخطة يينون الإسرائيلية (1982)، وخرائط برنارد لويس وجيفري وهيلين توماتس، ثم خرائط رالف بيترز (2006)، وصولاً إلى مشروع الشرق الأوسط الكبير (2004)، ظلّت المنطقة العربية ساحة مفتوحة لمشاريع دولية لا يختلف جوهرها: تفتيت الأمة وتحويلها إلى كيانات هشة متناحرة، فهذه الخرائط لم تبق حبراً على ورق، بل تحولت إلى وقائع تُنفذ على الأرض، فما بين الصراعات الطائفية والحروب الأهلية والتدخلات الخارجية، يجد العرب أنفسهم في كل مرة أمام سيناريو يعيد إنتاج الفوضى، فالمطلوب لم يكن يوماً إعادة رسم حدود جغرافية فحسب، بل إعادة صياغة التاريخ نفسه؛ تفكيك الدول الكبرى إلى دويلات صغيرة، وتحويل الشعوب إلى طوائف متناحرة يسهل التحكم فيها، ولهذا لم يكن الدم العربي مجرد ضحية للحروب، بل هو الحبر الذي يُخطّ به خط الحدود الجديد.
وعلى اختلاف الأسماء والشعارات يبقى الهدف الاستراتيجي واحداً، وهو إضعاف المنطقة العربية وتفكيكها إلى كيانات عرقية وطائفية، وضمان التفوق الإسرائيلي بوصفه الكيان الأكثر تماسكاً وسط بحر من الفوضى، والتحكم في الثروات من نفط وغاز وممرات مائية، فضلاً عن منع أي مشروع وحدوي عربي قد يعيد التوازن في مواجهة القوى الكبرى.
ومصر لم تكن بعيدة عن هذه الخرائط، فتفتيت السودان مثلاً لم يكن مجرد حدث سياسي عابر، بل خطوة مباشرة لضرب العمق الاستراتيجي المصري وتهديد أمنها المائي، ومع كل مشروع تقسيم في المشرق أو الخليج أو حتى المغرب العربي، تجد القاهرة نفسها محاصَرة بأزمات تستنزف قوتها وتستهدف دورها القيادي، فالمستهدف في النهاية هو مصر باعتبارها حجر الزاوية في معادلة الأمن القومي العربي.
فهذه المشاريع ليست أوراقاً منسية في أدراج مراكز الأبحاث الغربية أو الإسرائيلية، بل خطط يجري تنفيذها تدريجياً عبر النزاعات الداخلية وزرع الانقسامات المذهبية والعرقية، وحتى عبر الأزمات الاقتصادية التي تفتت المجتمعات من الداخل، وهكذا تُرسم الحدود في منطقتنا بالنار التي تلتهم استقرار الدول، وبالدماء التي تسيل في الشوارع، بينما القوى الكبرى توزع الميراث على موائدها.
يبقى السؤال الحاسم الان وهو، هل سنشهد جولة جديدة من الخرائط المرسومة بالدم، أم ينجح العرب في كسر الحلقة؟ الاحتمال الأول أن تستمر الصراعات ويتعمق التفتيت، لتخرج من رحم الأزمات كيانات ضعيفة لا تقوى على حماية نفسها ولا مواجهة إسرائيل. أما الاحتمال الثاني فهو أن تعي الدول العربية خطورة اللحظة، فتتجاوز الحسابات الضيقة وتبني مشروعاً قومياً جديداً يعيد لمصر دورها المركزي ويضع الأمن القومي المشترك فوق كل اعتبار، وبين هذين السيناريوهين يظل المستقبل رهيناً بقدرة العرب على قراءة التاريخ جيداً إما أن يكونوا شهوداً على ميلاد خرائط جديدة بالدم والنار، أو أن يكتبوا هم حدودهم بأنفسهم.
وفي قلب هذا المشهد تبرز أبعاد الأمن القومي المصري بوصفها خط الدفاع الأول في مواجهة هذه المخططات؛ فهناك البعد الجغرافي الذي يضع مصر في موقع حساس بين المشرق والمغرب والقرن الإفريقي، والبعد المائي المرتبط بأمن النيل، والبعد الاقتصادي المتعلق بتأمين موارد الطاقة والممرات البحرية وفي مقدمتها قناة السويس، والبعد العسكري القائم على امتلاك قوة ردع تحمي الحدود وتمنع اختراق الداخل، إضافة إلى البعد الحضاري والثقافي الذي يجعل من مصر رمانة الميزان في مواجهة أي مشروع تفتيتي.
ورغم جسامة المؤامرات وتشابك الخطط، أثبتت التجربة أن ذكاء الدولة المصرية التاريخي وقدرتها على قراءة المشهد مبكراً مكّناها من كشف هذه المشاريع وتعطيل الكثير منها، فمنذ إسقاط مشروع الفوضى في 2011، إلى تثبيت أركان الدولة وحماية حدودها، إلى تعزيز تحالفاتها الإقليمية والدولية، نجحت مصر في أن تُفشل مخططات وتهز حسابات.
وهنا تتجلى الحقيقة ... أن قوة مصر لا تكمن فقط في جيشها أو موقعها أو مواردها، بل في وعيها العميق بالمؤامرات وقدرتها على التعامل معها بمرونة وصرامة في آن واحد، ولعل هذا الوعي هو ما يجعل الخرائط تُرسم وتُسرب وتُطرح، لكنها كثيرًا ما تصطدم بجدار صلب اسمه مصر