التغيير سُنّة الحياة، ونبضها المتجدد، وقانونها الذي لا يحابي الثابتين في زمن الحركة.
كما أن تغيير أو تحريك المسؤولين من مواقعهم ليس ترفًا سياسيًا ولا نزوة إدارية، بل ضرورة وجودية؛ لأن الجمود يُهلك الأفكار كما يُهلك الأمم، ولأن الكراسي إذا طال عليها المقام صدئت، وإذا تحولت من وسيلة إلى غاية فقدت معناها ودورها.
إننا أمام لحظة فارقة في مسار الدولة المصرية، لحظة تتطلب قراءة عميقة وواعية لمعنى التغيير الوزاري المرتقب، لا باعتباره إجراءً إداريًا عابرًا، بل بوصفه رسالة سياسية وإدارية بالغة الدلالة، تؤكد أن الدولة تملك شجاعة المراجعة، وجرأة التصحيح، ووعيًا كاملًا بتحديات المرحلة وتعقيداتها، فالتغيير هنا ليس هدمًا لما تحقق، وإنما بناء على ما أُنجز، واستكمال لمسار لا يحتمل التوقف أو الجمود.
وفي هذا السياق، لا يأتي الحديث عن التغيير من باب المحاسبة أو الاتهام، ولا من منطلق التقليل من الجهود المبذولة؛ فبكل إنصاف وتجرد أقول: إن ما أنجزه الدكتور مصطفى مدبولي على رأس الحكومة من مشروعات قومية وإنجازات ملموسة هو واقع لا يمكن إنكاره إلا بإنكار الحقيقة ذاتها.
إلا أن منطق الدول الكبرى لا يتوقف عند حدود الإنجاز، بل ينطلق منه نحو آفاق أوسع، ووفقًا لقاعدة «التغيير» الكونية، فإن بقاء رئيس حكومة في موقعه منذ عام 2018 يفرض سؤالًا مشروعًا وضروريًا: كيف نُحدّث الأدوات، ونُجدد السياسات، ونضخ دماء جديدة قادرة على مواكبة عالم يتغير بوتيرة متسارعة؟!
لأن استمرارية القيادة تصبح قيمة مضافة حين تقترن بالتطوير والتجديد، لكنها تتحول إلى عبء ثقيل حين تنفصل عن روح التحديث ومتطلبات المستقبل المنشود.
إن التغيير الحقيقي لا يكون بتبديل الأشخاص فقط، بل بتغيير السياسات والرؤى وآليات العمل.
إننا لا نحتاج إلى تغيير من أجل التغيير، بل نحتاج إلى حكومة تفكر بعقل الدولة الذكية، وتعمل بمنطق الإدارة الرشيقة، وتُجيد استخدام التحول الرقمي لا كشعار، بل كمنهج حياة، حكومة تُعيد هندسة الإجراءات، وتكسر البيروقراطية، وتُطلق طاقات الإبداع الإداري الكامنة في مؤسسات الدولة، وتُحوّل الخدمة العامة من معاناة يومية إلى تجربة إنسانية محترمة.
إننا نحتاج إلى تغيير يعتمد بشكل جوهري على الشباب، فلا يمكن لأي تغيير أن ينجح دون الاعتماد الجاد على الشباب، لا باعتبارهم ديكورًا سياسيًا، بل باعتبارهم شركاء حقيقيين في صنع القرار.
إن منح الفرصة للأجيال الجديدة هو استثمار في المستقبل، وضمان لاستدامة الدولة، ورسالة ثقة تُعيد الأمل وتُحفّز الانتماء، حيث إن الشباب يمتلكون الجرأة على الابتكار، والقدرة على التعلم السريع، والانسجام الطبيعي مع أدوات العصر الرقمي، وهم الأقدر على قيادة مرحلة التحول إذا أُحسن اختيارهم وتأهيلهم وتمكينهم.
إن التغيير الوزاري المنشود يجب أن يكون بوابة لثورة إدارية شاملة، وثورة على الفساد بكل صوره، وثورة اقتصادية تُعيد ترتيب الأولويات، فمواجهة الفساد ليست شعارات تُرفع، بل منظومة متكاملة من الشفافية والمساءلة والحوكمة الرشيدة.
كما أن القضاء على التضخم وغلاء الأسعار والبطالة لا يتحقق بالمسكنات، بل بسياسات اقتصادية جريئة، ورؤية إنتاجية واضحة، وفتح آفاق جديدة للاستثمار المحلي والأجنبي، بما يخلق فرص عمل حقيقية ويُعيد التوازن للأسواق.
السيد صاحب الدولة.. رئيس الحكومة الجديد:
لقد بحثت في قاموس اللغة عن كلمة تجمع بين «الألم والأمل» الذي يعتصر قلوب المصريين، فلم أجد أصدق من كلمات الرئيس عبد الفتاح السيسي في فجر ثورة يوليو 2013، التي قالها بوعي وصدق: «لقد عانى هذا الشعب الكريم ولم يجد من يرفق به أو يحنو عليه».
هذه الكلمات الصادقة ما زالت راسخة في الوجدان الجمعي للشعب المصري، تنتظر أن تتحول إلى واقع ملموس، وما زال الشعب يرقب حكومة تُترجم هذا الوعد إلى أفعال، لا حكومة يقتصر همّها على الجباية واستنزاف قوت البسطاء لتغذي كبار المستثمرين ورجال الأعمال.
إن الساعة تدق لاستقبال حكومة تُحاكي طموحات هذا الشعب العظيم؛ حكومة تسمع نبض الشارع قبل أن تقرر، وتشرح قبل أن تنفذ، وتعمل بروح الفريق الواحد لا بفردية الجزر المعزولة.
حكومة تدرك أن الجمهورية الجديدة ليست مجرد واجهة عمرانية، بل منظومة متكاملة من القيم والكفاءة والعدالة، وهي حكومة تتقن الحوار، وتحسن إدارة الأزمات، وتجعل كل قرار في خدمة المواطن.
نحن بحاجة إلى تغيير وزاري يكون أداة لاستكمال المسار لا قطيعة معه، وتجديدًا للعهد بين الدولة والمواطن، تأكيدًا على أن مصر بأمجاد تاريخها وتضحيات أبنائها، لا تتوقف عند محطة، ولا ترضى بغير الأفضل، فالشعوب العظيمة تستحق حكومات عظيمة، قادرة على حمل الأمانة والسير بها نحو آفاق أرحب ومستقبل أكثر إشراقًا.