رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

شعبان مدرسة التوازن بين العبادة والعمل وبناء الإنسان

هلال شهر رمضان
هلال شهر رمضان

 من المقرر شرعًا أن شهر شعبان ليس مجرد محطة زمنية بين رجب ورمضان؛ بل هو مدرسة فريدة؛ للتوازن بين العبادة والعمل، حيث يتعلم الإنسان الجمع بين خلوة الروح، وجلوس السوق، إنه معسكر روحي وعملي يبني الإرادة، ويحوّل العادات إلى عبادات، ويهيئ النفوس؛ لحمل ثقل الأمانة في رمضان.


بين "خلوة الروح" و"جلوس السوق".. هندسة بناء الإنسان:

 كثيرًا ما تضطرب كفة الميزان لدى السالك إلى الله؛ فإما غرقٌ في المادة يُنسي الروح، وإما انقطاع للعبادة يُعطل عمارة الأرض، وتأتي الشهور والمواسم؛ لتربي فينا جانبًا دون آخر، إلا شهر شعبان؛ فإنه يأتي مدرسةً فريدةً في "التوازن الصعب".

 إنه الشهر الذي يقع بين رجب (شهر الانقطاع والحرمة) ورمضان (شهر القرآن والتجلي)؛ ليكون هو جسر العبور الذي يختبر فيه العبد قدرته على الجمع بين "القيام بحق الحق" (العبادة)، و"القيام بحق الخلق" (العمل والسعي)، وتلك هي الغاية العظمى من بناء الإنسان في الإسلام.

 فلا بد أن نعرف فقه التوازن بين العمل والعبادة، فكلاهما عبادة إذا كان القصد حسنًا، والنية صالحة.

فلسفة "عبادة الغفلة".. التعبد في قلب المعركة:

 المحور الرئيس لفهم سر شعبان يكمن في حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما حين سأل النبي ﷺ عن كثرة صيامه فيه، فقال: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ» [رواه النسائي في "سننه" رقم ٢٣٥٧].

 فالناس ينشغلون في شعبان بالتجارة، والاستعداد المادي لرمضان، أو يستريحون فيه بعد جهد رجب، وهنا تكمن عظمة "بناء الإنسان"، فإن العابد في المحراب معتكفٌ بحكم المكان، لكن الصائم في شعبان عابدٌ، وهو في قلب السوق، وفي مكتبه، وبين أوراقه.

 البُعد التربوي: الإنسان الذي يصوم (وهو عمل شاق) بينما يمارس حياته العملية الطبيعية (وهو جهد آخر) يبني في نفسه "قوة الإرادة"، فإن كمال النفس لا يكون بترك الشهوات عجزًا، بل بتركها قدرةً واختيارًا مع توفر دواعيها، فشعبان مدرسة تقول للإنسان: "كن في الدنيا ببدنك، ومع الله بقلبك".

 وهذا هو سر "الخلوة في الجلوة" التي يقررها السادة "النقشبندية" وغيرهم من طرق التربية كما قال المرتضى الزبيدي في "إتحاف السادة المتقين": (خلوة وراء تجمر؛ يعنى الخلوة في الجلوة الظاهر مع الخلق والباطن مع الحق، اليد بالشغل والقلب بالحق.

رفع الأعمال.. وبناء الإنسان:

 يقول النبي ﷺ في بقية الحديث السابق: «وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ» [النسائي في "سننه" رقم ٢٣٥٧]. هذا "الرفع السنوي" يشبه في لغة الإدارة الحديثة "إغلاق الحسابات الختامية" أو "تقييم الأداء السنوي".

 تجويد الختام: «وَإِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالخَوَاتِيمِ» [رواه البخاري في "صحيحه" رقم ٦٦٠٧] فالصيام في شعبان هو محاولة؛ لتجميل ختام عبادة العام في الختام.

 هذا يُعَلِّم الإنسان مبدأ "الإتقان"؛ فالمسلم يسعى دائمًا لأن تكون نهايات أعماله مشرقة كنهاياتها.

التوازن بين "الصوم" و"الخدمة:

 لم ينقل إلينا أن النبي ﷺ كان يعطل جيشًا أو يوقف غزاة أو يغلق سوقًا في شعبان؛ لأنه صائم، بل كانت حياته تسير بنسقها الطبيعي مع زيادة الأعمال والأوراد.

 يقول سيدنا ابن عطاء الله رضي الله عنه: "إرادتك التجريد مع إقامة الله إياك في الأسباب من الشهوة الخفية"، ويمكن أن تستخلص من هذا المعنى: إذا وضعك الله في مقام "العمل" (الأسباب: وظيفة، دراسة، رعاية أسرة)، فلا تظن أن الروحانية هي الهروب من العمل للاعتكاف (التجريد) في غير وقته، فشهر شعبان يعالج هذا الخلل: إنه يقول لك: ابقَ في عملك، ابقَ في وظيفتك، ولكن "صُم" أدخل العبادة على العمل، ولا تلغِ العمل لأجل العبادة، فهذا المزج هو الذي يبني شخصية المسلم القوي الذي يعمل فِي القَوْمِ فيكون أَجَلَدَهُمْ؛ أي: أصبرهم وأقواهم، وهو صائم.