رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

بريد الموتى.. خطابات الأحياء للأموات في مصر القديمة

بوابة الوفد الإلكترونية

بينما رأى الأغلب أن الموت نهاية مطلقة، كان المصري القديم يعتقد أنه مجرد عبور من ضفة لأخرى؛ من الحياة الدنيا الزائلة إلى الأبدية الخالدة. لذا، لم يكن الموت قاطعا لأواصر الود، بل ظل الأحياء يخاطبون الراحلين عبر ما عُرف برسائل الموتى.

ظهرت هذه الظاهرة منذ عصر الدولة القديمة (حوالي 2600 ق.م) واستمرت في الدولة الوسطى، ووُجدت آثارها في جبانات كبرى مثل سقارة وطيبة. وتنوعت دوافع الكتابة؛ فمنها ما كان تعبيرا عن الحنين، ومنها ما حمل شكوى من ظلم، أو طلبا للشفاء، والرزق، أو حتى العتاب.

آمن المصري أن المتوفى يتحول إلى قوة نورانية تُسمى "آخ" (Akh)، مما يمنحه قدرة خارقة على التأثير في الأحداث اليومية أو التوسط لدى المعبودات. ولكي تصله الرسالة، كان الأحياء يكتبونها بالخط الهيراطيقي على أواني الفخار —لقدرتها على مقاومة الزمن والرطوبة— ثم يضعون بها القرابين في حجرة المقبرة. فبينما تأتي "الكا" (الروح) لتتلقى الطعام، تقرأ "الآخ" كلمات الرسالة وتستجيب للنداء.

من أشهر الرسائل التي وصلت إلينا هي رسالة الزوج "عانخ-إيري" لزوجته الراحلة؛ فلم تكن مجرد شوق لفقدانها، بل كانت عتابا لها لاعتقاده أن روحها تطارده بالسوء، فيقول في رسالته المكتوبة على إناء فخاري يعود للدولة الوسطى بالخط الهيراطيقي في جبانة سقارة:

"إلى الأخت الفاضلة (الزوجة)، أي سوء فعلته تجاهكِ لكي أصل إلى هذه الحالة البائسة التي أنا عليها الآن؟ ماذا فعلتُ حتى تضعي يدكِ عليَّ (تؤذيني)؟ رغم أنني لم أفعل بكِ شرا منذ أن كنتُ زوجكِ وحتى يومنا هذا. إنكِ لا تعرفين ما الذي حلّ بي! لقد تزوجتكِ وأنا شاب صغير، وكنتُ معكِ عندما كنتُ أترقى في المناصب والمهمات، ولم أهجركِ، ولم أتسبب في حزن لقلبكِ أبدا. وعندما مرضتِ بمرضكِ الذي قضى عليكِ، ذهبتُ إلى أمهر الأطباء، وقدموا لكِ كل ما يلزم. وعندما حان أجلكِ، بكيتُ عليكِ بمرارة مع عمالي، وأعددتُ لكِ الكتان الفاخر والأكفان لتُدفني فيها، ولم أبخل عليكِ بأي قُربان. وها أنا الآن، لقد مضت ثلاث سنوات منذ وفاتكِ، وأنا أعيش وحيدا ولم أدخل بيتا غير بيتكِ.. ولكن انظري، ها أنتِ لا تعرفين الخير من الشر، وتؤذينني رغم كل ما فعلتُه. لذلك، فإني سأرفع شكواي ضدكِ أمام قضاة الغرب (قضاة العالم الآخر)، وسأفصل بيني وبينكِ بكلمات الحق، ليُحكم بيني وبينكِ: هل فعلتُ بكِ شرا واحدا يستوجب ما تفعلينه بي الآن؟'

توضح الرسالة أن الزوج في حالة نفسية سيئة، ويشعر بالنحس أو المرض ويعتقد أنها السبب في ذلك، فيذكرها بأفضاله عليها طوال فترة زواجهما حتى أنه لم يتزوج بعد وفاتها لمدة ثلاث سنوات، ثم يقوم بتحذيرها أنه سيلجأ للمحكمة الإلهية إن ظلت تؤذيه؛ وبذلك لم تكن الرسالة مجرد عتاب، بل كانت بمثابة دليل على إخلاص الزوج وفضله ليحمي نفسه من غضب العالم الآخر.

هناك رسالة أخرى للابن "تيتي" وُجدت على إناء فخاري يعود لنهاية الدولة القديمة في "قو الكبير" بمحافظة سوهاج حاليا، وكان بها طعام أيضا، حيث كان يشكو تعرضه للظلم في نزاع قضائي إلى والده الراحل فيقول له:

"إلى والدي العزيز.. هل يُهضم حق ابنك وأنت لا تزال موجودا في العالم الآخر؟ إن الأشرار قد استولوا على ما تركتَه لنا من ممتلكات، وهم يضطهدونني الآن. استمع إليَّ.. انظر في شأني، وكن أنت الخصم لهؤلاء الذين ظلموا بيتك. انهض وحارب عني، ودافع عن اسمك الذي يحمله ابنك، فلا تسمح لغريب أن يطردني من مكانك".

كان "تيتي" يعاني من مشكلة بخصوص الميراث والأرض اللذين تركهما له والده، فلجأ إلى الـ "آخ" الخاصة بوالده لتساعده في هذا المأزق، كدليل على أن المصري القديم كان يؤمن بقدرة المتوفى على التدخل الفعلي في الأمور القانونية والمالية.

الرسالة الثالثة تخص جانب العاطفة الأمومية، وُجدت في "ناجا إد-دير" (سوهاج حاليا) على إناء فخاري يعود لنهاية عصر الدولة القديمة بالخط الهيراطيقي، وتخص شخصا يُدعى "بيبي" يخاطب والدته المتوفاة "إيري" بخصوص مرض ابنته فيقول:

"إلى أمي العزيزة (إيري).. اسمعي نداء ابنكِ. انظري إلى حال حفيدتكِ، إنها مريضة وتعاني من ألمٍ لا يهدأ. ألم تكوني دائما حصني المنيع؟ ألم تكوني تحمينني من كل شر وأنا صغير؟ أرجوكِ، لا تقفي صامتة في عالم الأرواح. انهضي وحاربي تلك الأرواح التي تنهش جسد ابنتي. كوني لها حارسة، واطردي عنها السوء كما كنتِ تفعلين معنا في حياتكِ. لقد وضعتُ لكِ القرابين، فلا تخذلي قلبي الذي ينفطر عليها".

فنرى هنا الأب الحزين على ابنته يتوسل لوالدته الراحلة حتى تحمي حفيدتها وتساعد في شفائها.

في النهاية، لم تكن رسائل الموتى مجرد كلمات بلا قيمة على الفخار، بل كانت تُظهر العلاقة الوثيقة بين المصري القديم والراحلين من ذويه، بل وإيمانه بقدراتهم الخارقة على حل المشكلات؛ فرأينا العتاب والوفاء بين الزوج وزوجته، والميراث والقانون بين الأب وابنه، والمرض والعاطفة بين الابن وأمه.. وهذا يعلمنا أن الود لا ينتهي بانتهاء الحياة.