“بالمحبة يكون السلام”.. البابا تواضروس يشارك الرهبات في تحضير كراتين رمضان
في مشهد يجسد عمق الروح الوطنية المصرية، ويعكس نموذجًا حيًا للتعايش والمحبة بين أبناء الوطن الواحد، شارك قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، الراهبات بالكاتدرائية المرقسية في تحضير كراتين شهر رمضان المبارك، استعدادًا لتوزيعها على الأسر المستحقة، في لفتة إنسانية تؤكد تلاحم شقي الأمة، مسلمين ومسيحيين، تحت راية وطن واحد.
وجاءت مشاركة البابا تواضروس في هذا العمل التطوعي لتبعث برسالة واضحة مفادها أن القيم الإنسانية المشتركة، وفي مقدمتها المحبة والعطاء، تمثل حجر الأساس في بناء المجتمع المصري، وأن المناسبات الدينية تتحول في مصر دائمًا إلى مناسبات وطنية جامعة، يتشارك فيها الجميع دون تفرقة أو تمييز.
وأكد قداسة البابا خلال مشاركته أن “مصر في رباط إلى يوم القيامة”، وهي عبارة تحمل دلالات تاريخية ودينية عميقة، وتعكس الإيمان الراسخ بوحدة هذا الوطن واستمرارية تماسكه عبر العصور. وأضاف أن “بالمحبة يكون السلام، وبهما يكون الإنتاج والعمل والتقدم”، مشددًا على أن المحبة ليست مجرد شعور، بل هي طاقة دافعة للحياة والبناء، وأساس للاستقرار والتنمية.
ويأتي هذا المشهد في وقت يحتاج فيه العالم، والمنطقة على وجه الخصوص، إلى نماذج واقعية للتعايش وقبول الآخر، بعيدًا عن الصراعات والانقسامات. وتُعد مصر، بتاريخها الطويل ونسيجها الاجتماعي المتماسك، نموذجًا فريدًا في هذا الإطار، حيث يعيش المسلم والمسيحي جنبًا إلى جنب، تجمعهما روابط المواطنة والإنسانية قبل أي انتماء آخر.
ولم تكن مشاركة البابا تواضروس في إعداد كراتين رمضان حدثًا استثنائيًا أو معزولًا، بل تأتي ضمن سلسلة من المواقف والمبادرات التي تعكس العلاقات المتينة بين المؤسسات الدينية في مصر، سواء الأزهر الشريف أو الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، والتي طالما أكدت على قيم العيش المشترك، ونبذ الكراهية، وتعزيز ثقافة السلام.
وقد لاقت هذه المبادرة ترحيبًا واسعًا من المواطنين، الذين رأوا فيها تجسيدًا عمليًا لمعنى “الوطن للجميع”، ورسالة طمأنة تؤكد أن التلاحم الوطني في مصر ليس شعارًا يُرفع، بل ممارسة يومية تظهر في أوقات الفرح كما في أوقات العطاء. كما عبر كثيرون عن اعتزازهم بهذا النموذج الذي يرسخ في وجدان الأجيال الجديدة معاني الاحترام المتبادل والتكافل الاجتماعي.
وتحمل كراتين رمضان، التي شارك البابا في إعدادها، بعدًا رمزيًا يتجاوز قيمتها المادية، إذ تعكس روح التكافل التي تميز المجتمع المصري، وتؤكد أن الفقر أو الحاجة لا يعرفان دينًا أو طائفة، وأن العطاء الصادق يتوجه إلى الإنسان لكونه إنسانًا قبل أي اعتبار آخر.
وفي ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي يواجهها العالم، تبرز مثل هذه المبادرات كدليل على أن قوة المجتمعات لا تُقاس فقط بالموارد، بل بمدى تماسكها وقدرتها على التعاون والتراحم. وتظل الروح الوطنية المصرية، المتجذرة في التاريخ، صمام أمان يحفظ لهذا الوطن استقراره ويقوده نحو مستقبل أكثر إشراقًا.



