لا يزال معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، يقدم أدلة متجددة على ريادة مصر الثقافية ،فهو ليس مجرد أرفف تحمل كتبًا، بل هو فضاء واسع للفكر والحوار، ومنصة تنبض بالحياة وتؤكد أن مصر هي القلب النابض للثقافة العربية والمنارة المتوهجة للوعي في زمنٍ ملئ بالتحديات.
وقد كان لي شرف الانغماس في هذا المشهد الاستثنائي، حيث تتناثر الفعاليات والندوات التي تلامس هموم الحاضر وتستشرف المستقبل..فمن قاعة إلى أخرى، ينتقل الزائر بين عالم الأفكار والرؤى المتنوعة.
"توعية واقتصاد": شاركت في ندوة البنك المركزي المصري المهمة حول "الوعي المالي"، والتي جاءت في توقيت بالغ الحساسية، لتقدم رسالة واضحة ومطمئنة حول كيفية إدارة الأموال والفهم السليم للتحولات الاقتصادية، كأحد أسلحة المواطن في مواجهة التحديات العالمية.
"شباب ووطن": كما كانت لي متعة الحضور في ندوة مميزة جمعت الدكتور وسيم السيسي، والدكتورة أمل جمال، والدكتورة هالة الطلحاتي، لمناقشة سبل التعاون بين "مؤسسة يارو" و"مصر الخير" في بناء الإنسان المصري الواعي، وتنمية قيم الانتماء والمسؤولية لدى الشباب، كحجر أساس لأي تنمية حقيقية.
"قانون ومجتمع": وأثريت فكري بمناقشة قيمة مع المستشار خالد القاضي حول دور القانون كضامن رئيسي لاستقرار المجتمعات وتقدمها، في حوار عميق يذكرنا بأهمية سيادة القانون كقيمة عليا.
"إعلام ومسؤولية": كما لم تفوتني متابعة الحوار الصريح والشيق للإعلامي الكبير طارق علام حول كتابه "لازم نتغير"، في نقاش مفتوح عن دور الإعلام في تغيير المفاهيم وتحمل المسؤولية المجتمعية لصناعة وعي جماهيري رصين.
"أصالة وتراث": وانتقلت بوجداني إلى أصول الهوية في ندوة عن "فنون وأدب البادية" مع أحد روادها الفنان التشكيلي أبو الفتوح البرعصي، مؤكدة على الدور التاريخي والثقافي الأصيل للبادية في تشكيل ملامح الشخصية المصرية.
المشهد داخل أروقة المعرض هو الأجمل.. حيث يحضر الشباب بكثافة لافتة، ويتفاعل الصغار مع حكايات الكتب، وتمتلئ الممرات بعشرات الآلاف من كل الأعمار..إنه مشهد يعيد التأكيد على أن القراءة لا تزال شغفاً حياً، والوعي طاقةٌ لا تنضب.
يزداد المشهد ثراءً بتوافد شخصيات ثقافية وإعلامية وفكرية من مصر والعالم العربي، وبأجنحة دولية عديدة تشارك بروائعها، ليجسد المعرض بحق "عرساً ثقافياً عربياً" يتجاوز الحدود، ويعبر عن وجدان الأمة جمعاء.
يتميز المعرض هذا العام ببرنامج ثقافي هائل، يضم أكثر من 600 ندوة وعشرات الفعاليات، بمشاركة مؤسسات الدولة والمراكز البحثية والمفكرين، في جهدٍ منظم يعكس إيمان الدولة المصرية بدور الثقافة والتنوير في بناء الإنسان والمجتمع.
من وجهة نظري كانت أيام المعرض تجربة ثرية ومفعمة بالإلهام..وتجدر الإشارة بالشكر والامتنان لوزارة الثقافة المصرية، ومعالي الوزير الدكتور أحمد هنو، والدكتور أحمد مجاهد رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب، وكل القائمين على هذا الصرح الثقافي العملاق.. فأنتم بجهدكم تبنون بكل جدارة صرح مصر "الناعم"، وتؤكدون عاماً بعد عام أنها ستظل منارةً للفكر، وملتقى للأدباء، وبيتاً مفتوحاً للوعي والإبداع للعرب جميعاً.