رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

شهر شعبان في حياة الصحابة والسلف الصالح

بوابة الوفد الإلكترونية

يمثل شهر شعبان ختام السنة الإيمانية والموعد السنوي لرفع الأعمال، مما يجعله فرصة ذهبية للتوبة وتطهير القلوب قبل بلوغ رمضان، وقد جسد الهدي النبوي وسير السلف أهمية استثماره في الصيام والقرآن لتجاوز غفلة الناس وتحقيق الاستعداد النفسي والبدني الكامل، فالسعيد من أصلح زرعه في شعبان ليحصد ثمار القبول والرضوان في شهر الصيام، مدركًا أن حسن الخاتمة يبدأ دائمًا بصدق العمل.

شهر شعبان في حياة الصحابة

لم يكن الصحابة والتابعون ينظرون لشعبان كشهر عادي، بل كانوا يلقبونه بـ "شهر القراء"، حيث كانوا يتفرغون فيه لقراءة القرآن وتهيئة القلوب، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "كان المسلمون إذا دخل شعبان انكبوا على المصاحف فقرأوها، وأخرجوا زكاة أموالهم تقوية للضعيف والمسكين على صيام رمضان". [لطائف المعارف، ابن رجب الحنبلي، ص ١٤٣].

ويروى عن عمرو بن قيس الملائي أنه كان إذا دخل شعبان أغلق حانوته وتفرغ لقراءة القرآن، وكان يقول: "طوبى لمن أصلح نفسه قبل رمضان"، [تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، الزيلعي، ج ١، ص ٣٣١]، وهذا الفعل يدل على أن السلف فهموا أن "نهاية السنة الإيمانية" تتطلب عزلة مؤقتة عن شواغل الدنيا لإتمام الجرد الروحي.

وعن سلمة بن كهيل قال: "كان يقال شهر شعبان شهر القراء"، [لطائف المعارف، ابن رجب الحنبلي، ص ١٤٣]، وكان حبيب بن أبي ثابت إذا دخل شعبان قال: "هذا شهر القراء"، فكانوا يستعدون بختمات القرآن الكريم ليكون لسانهم رطبًا بذكر الله عند دخول رمضان، وليضمنوا أن أعمالهم التي ترفع في شعبان مزينة بكلام الله.

وقال المعلى بن الفضل عن حال السلف مع هذه الشهور: "كانوا يدعون الله تعالى ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعون ستة أشهر أن يتقبل منهم"، وهذا يضع شعبان في قلب هذه الدعوات، فهو الشهر الذي يسبق رمضان مباشرة، وفيه يشتد الإلحاح بالدعاء والعمل الصالح ليكون الختام مسكًا والبدء نورًا". [لطائف المعارف، ابن رجب الحنبلي، ص ٢٠٤].


كيف نغلق "السنَة الإيمانية" بشكل صحيح؟

إن ختام السنة الإيمانية في شعبان يتطلب خطة عملية تبدأ بالتوبة النصوح ومراجعة المظالم مع الخلق، فالله تعالى يقول: ﴿وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]، فالتوبة هي المسح الشامل لذنوب العام قبل أن ترفع الصحف، لتكون صحيفة المؤمن بيضاء نقيّة عند العرض على الرحمن.

ويجب أن يتضمن هذا الختام الاستعداد النفسي والبدني، فلا يُعقل أن يدخل المرء مضمار رمضان وهو مثقل بتبعات الغفلة في شعبان، لذا كان السلف يوصون بتطهير القلوب من الشحناء، ففي الحديث: «إِنَّ اللَّهَ لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ ‌فَيَغْفِرُ ‌لِجَمِيعِ ‌خَلْقِهِ ‌إِلَّا ‌لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ» [ابن ماجه، (١٣٩٠)]، وبذلك يكون شعبان هو الفرصة الأخيرة لترميم ما انكسر من عبادات طوال العام، ليرفع العمل والقلب سليم ومستعد للعطاء.

يقول ابن رجب الحنبلي في نصيحة بليغة: "يا من ضيع عمره في غير طاعة، يا من فرط في زرعه حتى ضاع، ارجع قبل أن يرفع العمل، فإن شعبان هو المهلة الأخيرة قبل الحصاد"، وهذا يوجب على المسلم ألا يمر عليه يوم في شعبان دون طاعة أو ذكر أو صلة رحم، لأن كل دقيقة قد تكون هي الكلمة الأخيرة في صحيفة عامه المنصرم. [لطائف المعارف، ابن رجب الحنبلي، ص ١٤٥].

وختامًا، فإن العبرة بالخواتيم، وشعبان هو خاتمة العام الإيماني قبل رمضان، فاجعل لسان حالك يقول مع النبي صلى الله عليه وسلم: «‌فَأُحِبُّ ‌أَنْ ‌يُرْفَعَ ‌عَمَلِي ‌وَأَنَا ‌صَائِمٌ»، [عبد الرزاق، المصنف، (٨١٦٤)]، واجعل قلبك متعلقًا بقوله تعالى: ﴿وَقُلِ ٱعۡمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۖ﴾ [التوبة: ١٠٥].