رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

الديون السيادية في الدول العربية تحوّلت في العقدين الأخيرين إلى محدِّد جوهري لمسار التنمية وحدود القرار الوطني. فالأداة التي صُمِّمت تاريخياً لتمويل الاستثمارات والبنى التحتية، أصبحت في كثير من الحالات قيداً خانقاً على الاقتصادات النامية، يضغط على خياراتها الاجتماعية والسياسية، ويُضعف قدرتها على تحمّل صدمات الأسواق الدولية. بين ثنايا هذا المشهد، تجد الدول العربية نفسها عند تقاطع حرج بين ضغوط داخلية لإصلاح أوضاعها، وضغوط خارجية تفرضها ظروف الاقتصاد العالمي وسياسات المؤسسات المالية الدولية.
منطق الديون السيادية
تُعرَّف الديون السيادية بأنها الالتزامات المالية التي تتحملها الحكومات تجاه مقرضين محليين أو أجانب، سواء عبر إصدار سندات وأذون خزانة، أو عبر الاقتراض المباشر من مؤسسات دولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، أو من بنوك تجارية وصناديق استثمارية. وغالباً ما تُسوَّغ هذه الديون بهدف سد عجز الموازنات أو تمويل مشروعات البنى التحتية الكبرى أو مواجهة أزمات طارئة. غير أن الخطر يبدأ حين يتجاوز حجم الدين قدرة الاقتصاد على توليد موارد كافية لخدمته، فيتحول من أداة إدارة مالية إلى أزمة شاملة تمتد آثارها إلى النمو، والاستقرار الاجتماعي، بل وإلى شرعية السياسات العامة نفسها.
الاختلالات البنيوية في الاقتصادات النامية
أزمة الديون في الدول النامية ترتبط في جوهرها ببنية اقتصادية غير متوازنة. فاقتصادات كثيرة تعتمد على تصدير المواد الخام أو السلع الأولية منخفضة القيمة المضافة، مقابل فاتورة استيراد مرتفعة تشمل الغذاء والدواء والتكنولوجيا والسلع الرأسمالية. ومع ضعف القاعدة الإنتاجية الصناعية والزراعية والخدمية ذات التنافسية العالية، تتراجع قدرة هذه الاقتصادات على توليد عملة صعبة مستقرة، في حين تظل التزامات خدمة الدين الخارجي مقومة في معظمها بالدولار أو اليورو. ومع كل موجة لارتفاع سعر الفائدة عالمياً أو قوة الدولار، تتفاقم كلفة خدمة الدين، ويتآكل الحيز المالي المتاح للإنفاق التنموي.
المعضلات المالية والآثار الاجتماعية
في موازاة ذلك، تعاني كثير من الدول النامية من اختلالات في إدارة المالية العامة، حيث يتجه جزء كبير من الإنفاق الحكومي إلى بنود جارية كالرواتب والدعم الاستهلاكي، على حساب الإنفاق الاستثماري المنتج. وعندما تترافق هذه الاختلالات مع اشتراطات برامج التكيف التي تفرضها المؤسسات المالية الدولية، بما تتضمنه عادة من خفض للدعم ورفع للضرائب وتقليص للإنفاق الاجتماعي، تزداد الأعباء على الفئات محدودة الدخل والضعيفة، وتتعمق فجوة الثقة بين المجتمع والدولة. وهكذا تدخل هذه الدول في حلقة مفرغة متمثلة في الاقتراض لسداد ديون سابقة، فتتضخم الفوائد، وتضيق خيارات السياسات العامة، ويتراجع الاستثمار في التنمية البشرية والبنية التحتية المنتجة.
غياب المشروع الاقتصادي
أمام هذه المعادلة المعقدة، سعت الدول النامية إلى مجموعة من المقاربات لمعالجة أعباء الديون السيادية. شملت هذه المقاربات إعادة جدولة الديون والتفاوض مع الدائنين لمد آجال السداد وتخفيف الأعباء السنوية، وكذلك إصدار أدوات دين جديدة لسداد التزامات قائمة، في مسعى لإدارة الاستحقاقات الزمنية أكثر من معالجة السبب البنيوي للمشكلة. كما اتجهت دول عديدة إلى تطبيق برامج إصلاح اقتصادي لزيادة الإيرادات الضريبية وترشيد النفقات، والاستفادة من مبادرات المجتمع الدولي مثل مبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون، فضلاً عن محاولة جذب الاستثمار الأجنبي المباشر كبديل أقل كلفة من الاقتراض قصير الأجل. غير أن هذه المعالجات، ما لم تُصغ ضمن مشروع شامل لإعادة بناء هيكل الاقتصاد، تبقى أقرب إلى إدارة الأزمة منها إلى تجاوزها.
تحديات التمويل في الاقتصادات العربية 
حين نلامس الواقع العربي بمكوناته الخاصة، تصبح الصورة أكثر تعقيداً بفعل التداخل بين العوامل الاقتصادية والسياسية والأمنية. فجزء مهم من الاقتصادات العربية يعتمد على النفط والغاز كمصدر رئيسي للإيرادات العامة، ما يجعل الموازنات رهينة لتقلبات أسعار الطاقة وأسواقها. وفي غياب تنويع حقيقي للقطاعات الإنتاجية، تتحول لحظات ارتفاع الأسعار إلى موجات إنفاق توسعية، بينما تتحول فترات الانخفاض إلى صدمات مالية تدفع الحكومات نحو مزيد من الاقتراض أو نحو سياسات تقشفية تترك آثار اجتماعية ثقيلة. أما الدول غير النفطية، فهي تواجه معضلة مختلفة تتمثل في محدودية مواردها الذاتية وضعف قدرتها التنافسية، مع حاجة متزايدة لتمويل عجز الموازنات ومشروعات البنية التحتية الأساسية.
كما أن جزءاً من العالم العربي يواجه أزمات سياسية وأمنية ممتدة، من نزاعات مسلحة وحروب أهلية إلى خلل بنيوي في منظومة الدولة المؤسسية. هذه الأوضاع تُضعف ثقة المستثمرين، وتُخرج الموارد البشرية والمادية من دورة الإنتاج، وتفرض على الحكومات إنفاقاً إضافياً على الأمن وإعادة الإعمار والدعم الاجتماعي، في وقت تتراجع فيه الإيرادات. في ظل هذه الظروف، يصبح الاقتراض خياراً شبه حتمي، ولكنه أيضاً أكثر تكلفة وأشد خطورة. وتتزايد حدة الإشكال حين تترافق المديونيات المرتفعة مع معدلات البطالة والفقر المتصاعدة، ما يضع الحكومات أمام معادلة صعبة بين الحفاظ على شبكات الأمان الاجتماعي وبين الالتزام بمسارات ضبط المالية العامة.
غياب التكامل الاقتصادي العربي
إضافة إلى ذلك، فإن غياب تكامل اقتصادي فعلي بين الدول العربية حرم المنطقة من فرصة بناء سوق إقليمية قادرة على امتصاص الصدمات وتوليد فرص نمو مشتركة. فلو أن التجارة البينية العربية، وحركة رؤوس الأموال والعمالة، والاستثمار في مشروعات عابرة للحدود وصلت إلى مستويات أعلى، لخفّ اعتماد كثير من الدول على التمويل الخارجي بشروطه القاسية، ولأمكن بناء شبكات أمان وتنمية إقليمية أكثر توازناً. إلا أن الواقع يشير إلى أن العلاقات الاقتصادية العربية لا تزال أقل بكثير من الإمكانات المتاحة، ما يبقي كل دولة تقريباً في موقع تفاوض منفرد مع الأسواق العالمية والمؤسسات الدولية.
خيار الهيكلة أو استمرار الحلقة المغلقة
لكسر هذه الحلقة، تحتاج الدول العربية إلى مقاربة مختلفة في التعامل مع المديونية، مقاربة تجعل من كل قرار اقتراض جزءاً من رؤية أوسع لإعادة تشكيل الاقتصاد الوطني. وهذا يمر أولاً عبر إعادة هيكلة الموازنات العامة، بحيث يُعاد توجيه الإنفاق إلى القطاعات القادرة على إيجاد قيمة مضافة وفرص عمل مستدامة، مثل الصناعة التحويلية المتقدمة، والزراعة الذكية، واللوجستيات، والخدمات المعرفية. وفي الوقت نفسه، يصبح تنويع مصادر الدخل ضرورة وجودية، من خلال الاستثمار الجاد في السياحة المستدامة، والزراعة الحديثة، والطاقة المتجددة، والاقتصاد الرقمي، بما يفتح آفاقاً جديدة لتوليد العملة الصعبة وتقليل الاعتماد على مورد واحد أو سوق واحدة.
المنظومات الضريبية 
كما أن إصلاح المنظومة الضريبية في الدول العربية يمثل مدخلاً لا يقل أهمية. فالأنظمة الضريبية التي تعتمد بصورة مُفرطة على الضرائب غير المباشرة والرسوم على الاستهلاك، غالباً ما تضرب الفئات الأضعف، ولا تُنتج نظاماً يعكس مساهمة كل فئة بما يتناسب مع قدرتها الفعلية. 
إن الانتقال إلى نظم أكثر عدالة وكفاءة، قادرة على توسيع القاعدة الضريبية والحد من الاقتصاد الموازي، يفتح مجالاً أوسع لتمويل التنمية من الداخل، ويحد من الحاجة إلى التوسع في الاقتراض الخارجي. وضمن هذا الأفق، يمكن التفكير جدياً في إنشاء صناديق تمويل عربية مشتركة ذات قواعد حوكمة شفافة، تكون بديلاً جزئياً عن الاعتماد المفرط على المؤسسات الدولية، وتوجّه تمويلها إلى مشروعات إنتاجية إقليمية لا إلى إنفاق استهلاكي قصير الأجل.
الديون كقضية سيادية وتنموية
في المحصلة، الديون السيادية لا يمكن التعامل معها كقضية مالية تدار في غرف مغلقة بين وزارات المالية والمصارف، بل هي مسألة سيادية وتنموية ترتبط بقدرة الدول على إدارة مواردها، وصياغة خياراتها المستقبلية، وصون استقلال قرارها الاقتصادي. بالنسبة للدول النامية عموماً، فإن التحدي الأكبر يتمثل في الانتقال من نموذج اقتصادي ريعي أو استهلاكي، يراهن على تدفقات خارجية مُتقلبة، إلى نموذج إنتاجي مستدام يستند إلى المعرفة والابتكار وتنمية الفرص الاجتماعية والاقتصادية. أما في الحالة العربية، فإن تجاوز مأزق المديونية لن يكون ممكناً من دون إصلاحات بنيوية واسعة ورؤى استراتيجية طويلة المدى، تضع التنويع الاقتصادي، والتنمية البشرية، والتعاون العربي الجاد في قلبها، وإلا ستبقى المنطقة أسيرة دورة متكررة من الاقتراض والأزمات وإعادة الهيكلة.
الدور الجديد للدولة
غير أن السؤال الذي يكشف جوهر المشهد لا يتعلق فقط بآليات إدارة الدين العام، بل يمتد إلى قدرة الدولة على تجديد أسلوب تعاملها مع المجتمع، ويبدّل الأساس الذي تُقيَّم على أساسه مؤسسات الدولة. التحديات الجديدة، من الثورة الرقمية إلى التحولات المناخية، ومن إعادة تشكيل سلاسل القيمة العالمية إلى صعود قوى اقتصادية جديدة، تعني أن الدول من دون رؤى استباقية وسياسات طويلة المدى، ستظل في موقع ضعيف على الساحة الدولية، مهما نجحت في تحسين شروط تمويل ديونها. 
أما الدول التي تبادر إلى تجديد مشروعها التنموي، وتستثمر في رأس المال البشري والمعرفي، فستكون الأقدر على توظيف الديون في تمويل قطاعات إنتاجية وتقنية استراتيجية، وتمكنها من دخول سلاسل القيمة العالمية، على نحو يسمح بخلق قاعدة إنتاجية قادرة على توليد فرص نوعية جديدة، والخروج من الدائرة المغلقة التي تحول دون تحقيق تحول بنيوي وتعيد إنتاج الاختلالات نفسها.