في تاريخٍ اعتاد أن يُنصف الغالبين ويُهمِل المختلفين، يمر اسم صليب سامي باشا خافتًا، كأن الرجل لم يكن، وكأن التجربة لم تقع.
كان صليب سامي أول وآخر وزير مدني يتولى وزارة الحربية المصرية، وتلك ليست مجرد معلومة إدارية، بل علامة فارقة على لحظةٍ حاولت فيها الدولة أن تُمسك بالسلاح بعقل القانون، لا بعقيدة الثكنة. درس القانون، وكان قبطيًّا في زمنٍ لم تكن المواطنة فيه مكتوبة على الورق بقدر ما كانت تُختبر في الواقع، وتولى حقيبة الحربية عام 1934 في عهد الملك فؤاد الأول، في مرحلةٍ كانت فيها السيادة منقوصة، والاحتلال البريطاني حاضرًا في كل مفصل من مفاصل القرار.
لكن الحكاية لا تبدأ من الوزارة، بل من الوعي المبكر.
مشهد الانحناء… حين وُلد السؤال
حين كان طالبًا في المرحلة الثانوية بمدرسة التوفيقية، شاهد موكب اللورد كرومر، الحاكم البريطاني لمصر، يمر في الشارع، ورأى معلمين مصريين ينحنون لتحيته. لم يكن المشهد عابرًا في وعي فتى صغير؛ كان جرحًا في كرامة الوطن. في اليوم نفسه، جلس وكتب رسالة إلى كرومر باللغة الفرنسية، يعترض فيها على هذا المشهد، لا بصفته متمردًا طائشًا، بل بصفته مواطنًا يرى الإهانة حين تُقدَّم في هيئة بروتوكول.
كانت الرسالة فعلًا نادرًا في زمن الخضوع الصامت، وتجسيدًا مبكرًا لفكرة أن الوطنية ليست هتافًا، بل موقفًا، وأن المواطنة لا تُمنَح، بل تُمارَس. رسالة لم تغيّر مسار الاحتلال، لكنها سجّلت للتاريخ أن هذا الرجل لم يدخل الدولة من باب الانبطاح، بل من باب الكرامة.
من القانون إلى الدولة
سار صليب سامي في حياته المهنية بعقل قانوني صارم، لا يعرف المساومة على المعنى. لم يكن من رجال القصر، ولا من هواة الصفقات، بل من أولئك الذين دخلوا الإدارة العامة باعتبارها خدمة وطن لا امتياز سلطة. لذلك، حين اقترب من مركز القرار، بدا غريبًا على المشهد، غير قابل للتطويع، وهو ما جعل وجوده مؤقتًا بطبيعته.
وزير الحربية… حين دخل القانون إلى الثكنة
حين تولى وزارة الحربية، لم يتعامل معها كغرفة مغلقة، بل كمؤسسة دولة تحتاج إلى إعادة تنظيم وهيكلة إدارية تُخضع القرار العسكري لسلطة مدنية. حاول أن يُعيد تعريف العلاقة بين الدولة والجيش، في وقتٍ كان فيه الإنجليز يرون الوزارة امتدادًا مباشرًا لنفوذهم، لا شأنًا مصريًا خالصًا.
دخل في صدامات غير مباشرة مع البريطانيين، في ظل التوترات الدولية المتصاعدة قبيل الحرب العالمية الثانية، حيث كانت مصر تدفع ثمن موقعها الجغرافي أكثر مما تختار مواقفها السياسية.
مشهد الأوسمة… حين وقفت المواطنة في وجه الاحتلال
وفي إحدى أكثر اللحظات كاشفة لجوهر الرجل، وأثناء توليه وزارة الحربية، جاء تكريم الدفعة الثانية من الطيارين المصريين. احتفال رسمي عسكري محمّل بالرموز، لكنه تحوّل إلى اختبار كرامة حين تقرر أن تتولى زوجة الحاكم البريطاني تقديم الأوسمة للضباط المصريين.
هنا لم يصمت صليب سامي.
غضب، لا انفعالًا، بل وعيًا بأن اللحظة أخطر من أن تمر. أدرك أن الوسام حين يُمنح من يد المحتل يتحول من تكريم إلى إذلال مُقنّع. صعد، أوقف المشهد، ثم حدث ما لم يكن في حسابات البروتوكول ولا الاحتلال: صعدت زوجته وقدّمت الأوسمة بنفسها، بصفتها امرأة مصرية.
انفجرت القاعة بالهتاف.
لم يكن الهتاف لشخص، بل لفكرة. لفكرة أن مصر تستطيع، ولو للحظة، أن تُكرّم أبناءها بيدها، وأن تسترد كرامتها من يد الغريب. كان ذلك المشهد اختصارًا مكثفًا لفلسفة الرجل كلها: أن الوطنية ليست خطابًا، بل تفصيل صغير يُقاوم الإهانة حين تتسلل في هيئة لياقة رسمية.
ومنذ تلك اللحظة، لم يعد صليب سامي مجرد وزير مدني في وزارة عسكرية، بل صار خطرًا رمزيًا على منظومةٍ اعتادت أن تُدار من فوق الرؤوس المنحنية.
من الحربية إلى التموين… ثم الانسحاب الواعي
تولى لاحقًا وزارة التموين والتجارة، محاولًا إدخال منطق الإصلاح والرقابة في زمن الأزمات. لكنه كان يدرك أن المساحة تضيق، وأن الصدام المتصاعد قد يدفع الملك إلى حل الوزارة بالكامل. فاختار الاستقالة، لا هروبًا، بل تفاديًا لانفجار سياسي ودستوري سيدفع ثمنه الوطن لا الأشخاص.
4 فبراير 1942… حين وصلت الإهانة إلى بوابة القصر
ثم جاءت اللحظة التي انكشف فيها المشهد المصري عاريًا بلا مساحيق: حادث الرابع من فبراير 1942. الدبابات البريطانية تحاصر قصر عابدين، والمدافع موجهة إلى قلب السيادة، والملك يُجبر على تكليف وزارة بعينها تحت تهديد السلاح. لم يكن الحدث مجرد أزمة سياسية، بل كسرًا علنيًا لفكرة الدولة، وإعلانًا فاضحًا أن القرار المصري يُصنع خارج الحدود.
في تلك اللحظة، كان موقف صليب سامي امتدادًا طبيعيًا لتاريخه. رأى فيما جرى نهاية أخلاقية للنظام القائم، لا مجرد إهانة لشخص الملك. أدرك أن الدولة التي تُدار بالدبابات لا مكان فيها لقانوني يؤمن بأن السيادة لا تتجزأ، وأن الوطنية لا تُساوَم.
لم يهادن، ولم يبرر، ولم يشارك في إعادة إنتاج المشهد. فهم أن الرابع من فبراير لم يكن حادثًا عابرًا، بل علامة سقوط، وأن ما بعده لن يشبه ما قبله. وكان ذلك البرهان الأخير على صحة شكوكه المبكرة: أن الاستقلال الناقص أخطر من الاحتلال المعلن، وأن الدولة التي لا تحمي قرارها لا تستطيع حماية كرامة مواطنيها.
محمد سعد عبد اللطيف
كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية،،!!