تراجع لهجة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب الحادة تجاه إيران بعد التهديد بضربها والتحريض على الشغب فى أراضيها ومواصلة حصارها إقتصادياً وممارسة كافة أشكال التدخل السافر في شؤونها الداخلية السرية والعلنية للسيطرة على البترول وثروات الشعب الإيرانى والتى تحطمت على صخرة الولوج في مستنقع فيتنامى جديد مدعوماً من الصين وروسيا-وربما كوريا الشمالية- يستنزفها مادياً وبشرياً ويلحقها بمصير الإمبراطورية البريطانية بعد الحرب العالمية الثانية لتكون دولة من الدرجة الثانية وتتبوأ روسيا والصين- وربما أوربا- قيادة العالم!!
وإن كانت أمريكا نجحت عام 1953 في إسقاط حكومة الشعب ذات الأغلبية البرلمانية بزعامة الدكتور محمد مصدق رئيس الوزراء آنذاك التى قررت طرد شركات البترول الأجنبية من أراضيها ووضع يدها على بترول بلادها بعد اكتشاف فداحة سطو الشركات المطرودة على معظم الأرباح وتوريد مبالغ زهيدة للخزينة الإيرانية وكذا التمرد على شروط حكومة البلاد وكأنهم دولة داخل الدولة إلا أن حكومات النظام الجديد في إيران التى جاءت بعد مغادرة الشاه ليست كحكومة مصدق!!
ولم يعد سراً تورط الولايات المتحدة الأمريكية في إسقاط حكومة الدكتور مصدق الإيرانية التى أقر بها كيرميت روزفلت مخطط السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط في أحد مؤلفاته وأسماها بالعملية"آجاكس"والتى أبدع في سردها الكاتب السياسى المخضرم عادل حمودة وأقرت بها أيضاً الحكومة الأمريكية عام 2013!!
وعندما غادر شاه إيران محمد رضا بهلوى طهران عام 1979 لم يجد ملاذاً آمناً في العالم سوى مصر واستقبله بحفاوة الرئيس أنور السادات لموقفه النبيل إبان حرب أكتوبر 1973 عندما أمر سفن نقل البترول الإيرانى لدول أوربا وهى في عرض البحار بالتوجه للموانىء المصرية لإمداد مصر بالكميات اللازمة من البترول حتى لا تحدث فيها أزمة طاقة وقضى أيامه الأخيرة يعالج في مصر حتى وفاته وشيعت جنازته عسكرياً عام 1980.
وأخفقت الولايات المتحدة في تحرير موظفيها ودبلوماسييها بعد اقتحام السفارة الأمريكية في العاصمة طهران واصطدمت طائراتها في الأجواء الإيرانية ولقى العديد من جنودها مصرعهم في تلك المحاولة الهجومية الفاشلة ولم يتحقق مرادها كما حدث في عملية الرئيس الفنزويلى نيكولاس مادورو مؤخراً!!
وبعد ظهور الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى خلال الحرب العالمية الثانية تغيرت قواعد الحرب تفادياً للصدام النووى مع القوى العظمى المناؤة لها في العالم متمثلة في الإتحاد السوفيتى القديم والذى ورثت أسلحته النووية الدولة الروسية الحالية وصار كلا القوتين المتصارعتين على النفوذ في العالم يمارسان حرب الإستنزاف لكليهما دون الصدام المباشر فيما عرف بحروب الوكالة لإرهاق النمر الأمريكى الهائج أو القوى المتغطرسة عالمياً!!
فشارك الإتحاد السوفيتى في استنزاف أمريكا وفرنسا وبريطانيا خلال حروب الكوريتين وفيتنام-الهند الصينية سابقاً- وردوا عليه باستنزافه في حرب أفغانستان وتفكيكه للأبد فضلاً عن استنزاف وريثته روسيا في وحل أوكرانيا ولم تتفادى روسيا هذا الفخ الأمريكى-البريطانى أو الخروج من مستنقعه حتى الآن!!
وفى حالة تورط الولايات المتحدة الأمريكية بغزو إيران عسكرياً فستكون الفرصة الذهبية للصين وروسيا لإستنزافها مادياً وبشرياً وكسر هذا النمر الهائج على العالم للأبد!!
وأعتقد أن هذا ما أدى لتراجع الرئيس الأمريكى عن خيار المواجهة العسكرية مع إيران-دون نهاية لحالة العداء بينهما- خوفاً من شبح إنهيار الإمبراطورية الأمريكية على يديه ودفع ثمناً أضخم من الذى تكبدته بلاده في فيتنام والعراق وأيضاً أفغانستان لدرجة نعت سلفه الرئيس جو بايدن للرئيس الروسى فلاديمير بوتين بالقاتل وكأنه يتهم الأخير بدعم حركة طالبان سراً التى ألحقت الهزائم بقوات الإحتلال الأمريكى وأجبرتها على الرحيل في نهاية المطاف!!