صناعة الحفر على الخشب وتطورها في مصر قبل وبعد الفتح الإسلامي
ازدهى فن الحفر على الخشب العريق في مصر قبل وبعد الفتح الإسلامي، شهد تطورًا عبر العصور الإسلامية المختلفة، وتميز بالعصر الفاطمي كالعصر الذهبي للزخارف الخشبية التي جمعت بين العناصر النباتية والحيوانية والهندسية.
صناعة الحفر على الخشب في مصر
فتح العرب مصر فورثوا عن أهلها فنًا جميلًا هو فن الحفر على الخشب، ولا غرابة في أن يزدهر هذا الفن في مصر الإسلامية؛ فهي عريقة فيه، مبدعة في فنونه منذ أقدم العصور، وأن التحف الخشبية التي كشفت عنها الحفائر الأثرية في منطقة " عين الصيرة " و " الفسطاط " كثيرة ومتنوعة، ومن أحسن المراجع التي تجلي لنا قيمة هذه القطع ذلك الكتاب القيم الذي نشره المتحف الإسلامي بالقاهرة، ووضعه العلامة الفرنسي "بوتى" عن الزخارف الإسلامية في الخشب.
الأساليب الفنية لصناعة الحفر على الخشب
ولقد احتفظت صناعة الحفر على الخشب في العصر الأموي بالأساليب الفنية التي كانت معروفة من قبل في سوريا، كما نلاحظ أن الزخارف على الخشب كانت عناصرها متأثرة بالفنون السابقة على الإسلام لا سيما الهلينيستية والساسانية، وأحسن مثل لها ألواح الخشب التي عثر عليها في المسجد الأقصى بالقدس، وتضم زخارفها وحدات من أوراق الأكانتاس، وأوراق العنب وتفريعاته، وأشكال السلال التي تخرج منها الفروع النباتية.
ومن أحسن أمثلة الحفر على الخشب في العصر العباسي الأول، قطعة خشبية عثر عليها في مدينة تكريت الواقعة شمالي العراق يُرجح العلماء أنها كانت جزءًا من منبر أو باب، وتتألف زخارفها من نبات العنب وعناقيده وكيزان الصنوبر التي شاع استخدامها من قبل في العصر الأموي، وامتاز أسلوب مدينة سامراء في العراق بالفن التجريدي الواضح في زخارف بعض الألواح الخشبية التي بها رسوم لزهيرات مجردة أو لطيور أو حيوانات مألوفة لكن مع تحوير في أشكالها.
صناعة الحفر على الخشب وتطورها
أولا: صناعة الحفر على الخشب في العصر الطولوني
وفي عهد الدولة الطولونية حدث تطور واضح في الأساليب الفنية وتغيير ظاهر في العناصر الزخرفية، وقد امتاز الحفر على الخشب لهذا العصر بأن زخارفه كانت مزينة بزخرفة محفورة حفرًا مائلًا أو مشطوفًا، كما كانت مكونة من بعض فروع وخطوط حلزونية، وقد تؤلف هذه الخطوط رسمًا تخطيطيا لأزواج من الطيور المتقابلة، أو أوراقًا مجنحة، وقد استُخدم الخشب أيضًا ليُسجّل عليه من الكتابة ما يراد ثباته وبقاؤه، وكانت بخط كوفي يبرزه الحفر البسيط، كما يرى في إفريز بأعلى الجدران في الجامع الطولوني.
ثانيا: صناعة الحفر على الخشب في العصر الفاطمي
وفي أوائل العصر الفاطمي كانت العلاقة واضحة بين الزخارف الخشبية العباسية والفاطمية، ثم نرى نماذج لعصر الانتقال من الأسلوب الطولوني والفاطمي في الزخارف الخشبية الموجودة في الباب الذي صنع بأمر الخليفة الحاكم ليوضع في الأزهر وقت تجديده سنة ٤٠٠هـ - ١٠١٠م، ويلاحظ أن التفريعات النباتية الموجودة به تشبه كثيرًا الزخارف المنحوتة في الخشب بمدينة سامراء، كما أقبل الفنان على استخدام الأشكال الحيوانية كعناصر زخرفية، مثال ذلك حشوة مستطيلة بالمتحف الإسلامي بالقاهرة كانت تُزخرف بابًا خشبيًا، ويظهر في زخارف هذه القطعة تفريعات نباتية وزخارف من رؤوس الخيل تخرج من أفواهها مراوح وأنصاف مراوح نباتية.
ولقد وصلت الزخارف الخشبية الفاطمية إلى عصرها الذهبي في القرن الحادي عشر الميلادي، ففي هذه المرحلة نرى امتزاجًا ونبوغًا عجيبًا بين العناصر النباتية والحيوانية والهندسية يجعل منها وحدة متماسكة.
ومن التحف الخشبية التي ترجع إلى أواخر القرن الحادي عشر منبر الخليل في فلسطين ذو الزخارف النباتية المتشابكة، وهو في غاية الدقة داخل مناطق من أشكال هندسية وأشكال نجوم.
وظهر في أواخر العهد الفاطمي ميل إلى استخدام الأشكال الهندسية في زخرفة الخشب، فنجد الأشكال النجمية والمربعات والمعينات والمستطيلات تحتوي على زخارف نباتية، يضعها الفنان بعضها إلى بعض لتكون الشكل الهندسي المطلوب، وأحسن مثل لذلك محراب السيدة رقية، الذي تزين واجهته حشوات بداخلها زخارف من التربيعات النباتية الدقيقة العميقة الحفر، وتُكَوِّن كل ست حشوات منها شكلًا نجميًا، ويُلاحظ أن بعض الحشوات محفورة بعمق ظاهر وبعضها الآخر قليل العمق، وهذا المحراب له إطار مزين بالخط الكوفي المزخرف الذي يقترب من الخط النسخ، ويستطيع المشاهد أن يتأمل فيه روعة الأسلوب الفاطمي وهو في أوج كماله الفني، وقد كان ثراؤه بالزخارف يفوق أروع ما قام به الصناع الفاطميون حتى في ميدان الزخارف الجصية.
ثالثا: صناعة الحفر على الخشب في العصر الأيوبي
أما صناعة الحفر على الخشب خلال العصر الأيوبي فكانت امتدادًا لأساليب العصر الفاطمي، غير أننا نلاحظ أن الخط النسخي بدأ يحل محل الخط الكوفي، كما أن الحشوات ذات الزخارف النباتية زادت دقة، ويتوسط بعضها نجمة، ومن أجمل تحف هذا العصر تابوت الإمام الشافعي وتابوت المسجد الحسيني بالقاهرة.
رابعا: صناعة الحفر على الخشب في تركيا
ولقد بلغ الحفر على الأخشاب درجة كبيرة من الدقة والإتقان في تركيا خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين، يؤيد ذلك ما عثر عليه من منابر خشبية وكراسي ومصاحف وتوابيت وأبواب منقوشة بزخارف غاية في الدقة والروعة، ولقد زُخرفت هذه المصنوعات الخشبية غالبا بوحدات هندسية، ومن أجمل هذه النماذج باب يرجع تاريخه إلى القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي) عثر عليه في قونية، في العصر السلجوقي بتركيا، ويغطي سطح الباب زخارف هندسية على هيئة الأشكال النجمية، ويحيط بهذا الجزء المنقوش بالزخارف الهندسية إطار به زخارف نباتية دقيقة، كما يعلو الباب شريط من الكتابة النسخية، ومن اجمل القطع التي تظهر فيها الزخارف النباتية زخارف الأرابيسك المنقوشة بمهارة، وكرسي لمصحف كان في مسجد علاء الدين بقونية قوام زخرفته عناصر كتابية ونباتية، وتظهر الزخارف الكتابية محفورة حفرًا عميقًا، ويوجد على هذا الكرسي نفش باسم صانعه عبد الواحد بن سليمان، وترجع صناعته إلى القرن الثالث عشر الميلادي.
خامسا: صناعة الحفر على الخشب في إيران
أما في إيران فكان أحسن الأمثلة للحفر على الخشب منابر خشبية مزخرفة بحشوات ذات زخارف هندسية ونباتية، ومن روائع نماذج تحف الخشب التي نحتت في أواخر القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي) كرسي مصحف تتكون زخارفه من تفريعات نباتية متشابكة ونباتات طبيعية مزهرة، وبراعم صينية، ويظهر بالكرسي أيضًا نص كتابي بالخط النسخي يفيد بأنه من صنع سليمان الأصفهاني في عام٧٦١هـ - ١٢٦٠م.
سادسا: صناعة الحفر على الخشب في العصر المملوكي
أما في العصر المملوكي في مصر فقد استطاع الفنانون أن يبدعوا في زخرفة الحشوات بالرسوم الدقيقة، فقد أغفل الفنان المصري نهائيًا استخدام الوحدات والعناصر الحية، وأقبل على الأشكال الهندسية النجمية وبرع في تكوين زخارف منها، وتتكون هذه الأشكال النجمية من حشوات صغيرة تتألف من أشكال سداسية الأضلاع مزخرفة بالفروع النباتية المورقة الدقيقة، ويتوسط هذه الحشوات أشكال نجمية مزخرفة بنقوش نباتية دقيقة أطلق عليها اسم "الأطباق النجمية"، ولقد انتشر استخدام هذه الزخارف النجمية في الأبواب والمنابر الخشبية المملوكية التي صنعت في القرون الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر الميلادي.
ولقد توصل الفنان في العصر المملوكي إلى أسلوب زخرفي جديد في زخرفة الخشب بأشرطة رقيقة - من نوع آخر - من خشب يخالفه في اللون، كما طعمت القطع الخشبية بطبقة دقيقة من الفسيفساء، وتتألف عادة من قطع العظم، أو العاج، أو الأبنوس، أو الأصداف، أو أنواع أخرى من الخشب الثمين تلصق على السطح كله، وهو ما يسمونه بالترصيع، ومن أمثلة ذلك تحفتان رائعتان وجدتا في جامع أم السلطان شعبان، هما: صندوق مصحف، وكرسي عشاء، فالصندوق مسدس الأضلاع لحفظ القرآن، ويغطي ظاهره وداخله ترصيع جميل، وغطاؤه منحدر الجوانب، يزينه شريط به أشكال هندسية مسدسة يتوسطها شكل نجمي، وسائره مزخرف بأشكال هندسية تملؤها نجوم، أما كرسي العشاء فهو على شكل منشور ذي ستة أضلاع، مكسو بطبقة من الفسيفساء، تتألف في الغالب من قطع صغيرة من الأبنوس والسن والعظم.
كما ازدهرت في عصر المماليك صناعة الشبكيات من الخشب المخروط، وهي التي تعرف باسم "المشربيات" ولقد بلغ عصر المماليك فيه حد الإتقان والتنوع، وكانت فتحات العيون في المشربية تتفاوت اتساعًا، وتُملأ أحيانا بقطع أخرى من الخشب المخروط لتؤلف كتابات أو رسومًا، وذلك يترك العيون الأخرى واسعة لتكون أرضية يظهر منها الرسم أو الكتابة، ومن أمثلة ذلك مشربية دقيقة الصنع، ملئت بعض عيونها بقطع من الخشب المخروط ليظهر عليها رسم منبر ومشكاة. وتركت العيون الأخرى واسعة كأرضية للرسم، وقد أقبل الفنانون على إنتاج تحف من الخشب الخرط، كالدكك، والكراسي، والحوافر الخشبية للمقصورات في المساجد.