أحيانا ً لا يكون أخطر ما في السياسة هو القرار بل “النية التي لم تُعلن بعد”.
فالخطابات قد تبدو نارية، والتهديدات قد تُقال بحدّة، لكن ما يحدث خلف الستار يُدار بمنطقٍ مختلف ( ميزان حسابات، لا ميزان انفعالات) ، ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي في المواجهة الأمريكية الإيرانية:
هل نحن أمام معركة “كسر عظام” تُحسم بضربة واحدة، أم أمام صراع “عضّ أصابع طويل، كل طرفٍ فيه ينتظر لحظة ألم الطرف الآخر ليصرخ أولًا؟
الواقع أن المشهد الإقليمي لا يُظهر استعدادا ً لحرب كاسحة، مهما ارتفع سقف التصريحات. فالحرب الشاملة تحتاج مقدمات واضحة ( حاملات طائرات تتكدّس في البحر، قواعد تُجهّز لمرحلة ممتدة، وتحالف إقليمي يفتح أراضيه بلا تردد) . . لكن ما نراه هو العكس ضجيجٌ سياسي يتقدّم، وتحرّك عسكري محسوب يتأخر، وكأن الرسالة ليست “سنضرب الآن” بل “نستطيع أن نضرب إن اضطررنا ”.
والسبب ليس خوفا ًأمريكيًا من إيران كقوة عسكرية تقليدية، فواشنطن تملك تفوقًا ناريًا ساحقًا، لكن المخاوف أكبر من مجرد مقارنة سلاح بسلاح. الخشية هنا من “اليوم التالي”؛ من ارتداد الضربة على أسواق الطاقة، وعلى الممرات البحرية، وعلى القواعد المنتشرة في الإقليم، وعلى الشريان الذي يتنفس منه العالم… النفط والملاحة.
لهذا بدا موقف دول الخليج حاسما ً في كبح اندفاع أي مغامرة؛ هذه الدول تتحفّظ على استضافة أي مواجهةٍ عسكرية قد تجعل من أراضيها هدفا ً مباشرا ً للرد الإيراني، وتضعها في قلب العاصفة .. فإيران لم تعد تُهدد بالبيانات فقط، بل أثبتت في السنوات الأخيرة أنها تستطيع إحداث ضرر حقيقي، عبر الصواريخ، أو عبر الوكلاء، أو عبر تعطيل الممرات. ومع كل تصعيد، يصبح السؤال الخليجي منطقياً وبسيطا ً :
لماذا ندفع نحن ثمن رسالة لا تخص أمننا المباشر؟
ثم تأتي العقدة الأهم: إيران ليست فنزويلا… وليست دولة يمكن “قص جناحها” بضربة واحدة ثم انهيار سريع. إيران حالة أكثر تعقيدا ً، بحكم موقعها الجغرافي، وتشابك نفوذها، وتركيبتها الداخلية؛ هي دولة قد تختلف معها، لكنها ليست كيانا ً هشا ً ينتظر اللمسة الأخيرة ليسقط، وحتى لو تضررت، فإن قدرتها على تحويل الضرر إلى موجة اضطراب إقليمي تظل قائمة، وهذا وحده كافٍ لجعل أي قرار حرب قرارا ً مكلفا ً جدا ً .
والأخطر من ذلك أن ضرب إيران قد يمنح النظام ما يحتاجه في لحظة أزمة “الالتفاف القومي”؟.. فحين تتعرض دولة لضربة خارجية، حتى الخصوم الداخليّون قد يؤجلون خلافاتهم لحساب فكرة الوطن، وهذا يعني أن الضربة التي تُصمّم لكسر الهيبة قد تُعيد إنتاجها بشكل أقوى، وأن الهجوم الذي يُفترض أن يدفع للانشقاق قد يدفع للتصلّب والتمسك.
من هنا نفهم لماذا تبدو واشنطن مترددة بين الرغبة في الضغط وبين الخوف من الانزلاق. الضغط له أدوات عديدة أقل تكلفة من الحرب (العقوبات، العزل الدبلوماسي، تحريك الملفات، تعزيز الدفاعات الإقليمية، وتوجيه رسائل ردع محسوبة .. وكلها أدوات “عضّ أصابع” بامتياز؛ تؤلم الخصم لكنها لا تكسر العظم، تُضعفه بالتدريج دون أن تفتح باب الجحيم دفعة واحدة.
أما فكرة “تغيير النظام” فهي – في تقديري – أقل السيناريوهات واقعية، ليس لأن واشنطن لا ترغب، بل لأن ثمن ذلك لا يُحتمل، فإسقاط نظام بحجم إيران يعني فتح احتمال الفوضى داخل دولة كبيرة، وحين تتفكك دولة بهذا الوزن، فإن شظاياها لا تبقى داخل حدودها، بل تتطاير نحو الخليج والعراق وبلاد الشام واليمن، ويصبح الإقليم كله في حالة سيولة مخيفة، وأمريكا – بحسابات الربح والخسارة – لا تريد أن تُمسك بطرف خيط لن تستطيع السيطرة على نهايته.
لذلك نحن أمام مشهد شديد الدلالة:
رئيس أمريكي قد يتحدث بحدة، لكن المؤسسة العسكرية تتصرف ببرود.
حلفاء واشنطن لا يبدون حماسا ً، وأسواق الطاقة لا تتحمل مفاجآت، والممرات البحرية على حافة القلق الدائم. كل هذا يجعل قرار “كسر العظام” قرارا ً مستبعدا ً إلا إذا وقعت شرارة ضخمة تُجبر الجميع على القفز في النار.
إذن ما الذي نتوقعه؟
نتوقع حربا ً بلا إعلان، وصراعا ً بلا نهاية واضحة.
نتوقع ضغطا ً متواصلا ً، ورسائل نارية، وتحركات محسوبة، وربما ضربات محدودة لا تهدف للحسم بل للإنذار.
أتوقع أن تستمر لعبة الأعصاب:
من يصرخ أولا ً ؟
ومن يتراجع أولا ً؟
ومن يتحمل الألم أكثر؟
وهنا تأتي خلاصة المشهد:
هذه ليست معركة “سيف ورمح” .. بل معركة “أصابع وأسنان”.
كل طرف يحاول أن يُثبت أنه لا يتألم، وأنه قادر على الاستمرار، وأن الطرف الآخر هو الذي سيطلب التهدئة في النهاية.
لكن الفرق أن كسر العظام يصنع نصرا ً سريعا ً، ثم يفتح باب كارثة طويلة، بينما عضّ الأصابع يصنع ضغطا ً بطيئا ً .. لكنه يحافظ على خطوط العودة قبل أن تحترق.
وفي الشرق الأوسط، لا أحد يربح بالكامل ! لكن الأذكى هو من يعرف كيف يمنع الخسارة الكبرى.