365 يومًا خلف الجدران
قيَّد ابنته بالسلاسل فى غرفة بلا نوافذ حتى الموت
فى قرية خزام الهادئة على أطراف قنا، وبالتحديد فى مركز قوص، حيث يعرف الناس بعضهم بالاسم والملامح، تمر الأيام بطيئة كأنها تجر أقدامها فوق التراب كانت هناك غرفة مغلقة لا يسمع أنينها أحد.. غرفة بلا نوافذ بلا ضوء وبلا شاهد إلا الجدران داخلها كانت تعيش فتاة فى الثامنة عشرة من عمرها.
أما الأب حمدى فهو رجل عادى فى الظاهر يعمل خارج المنزل يعود متعبا يتحدث عن التربية والشرف والانضباط كلمات كبيرة تقال بسهولة لكنها حين تفرغ من الرحمة تتحول إلى سكاكين.. قال فى نفسه: «أنا أعرف مصلحتها» قالها كما يقولها كثيرون ثم أغلق الباب.
الفتاة التى قيل إنها «مضطربة نفسيًا» كانت تحب الخروج تمشى تتنفس تهرب أحيانًا إلى الأقصر لا بحثا عن الرذيلة كما وشى عنها بل عن مساحة أوسع من صدر ضاق عليها كانت تدخل الكوافيرات تنظر إلى المرآة تحلم بأن تكون مثل باقى الفتيات.. شعر ممشط.. ضحكة طبيعية..حياة بلا خوف.. لكن الأحلام فى بعض البيوت البسيطة تعتبر جريمة.
حين عاد الأب ذات يوم ولم يجدها قرر أن ينهى تلك «المشكلة» من جذورها لا طبيب نفسى.. لا مستشفى.. لا سؤال.. فقط قرار. حبسها فى غرفة داخل البيت ثم قيدها بسلاسل حديدية لم يقصد تقييدها فقط بل اهانتها وتعذيبها ومع كل حلقة من السلسلة كانت تنتزع قطعة من روحها.
مرت الأيام ثم الشهور عام كامل وشهر الزمن فى تلك الغرفة لم يكن يقاس بالساعات بل بالجوع الذى أصبح ينهش فى عقلها قبل جسدها كانت تمتنع عن الطعام أحيانًا ليس عنادا بل يأسا الماء صار رفاهية والكلام ترفا والصرخات صارت بلا صوت.
الأب كان يرى جسدها يضعف يوماً بعد يوم عظامها تبرز عينيها تغيبان شيئا فشيئا لكنه أقنع نفسه أن هذا «تأديب» وأن الصبر سيعلمها الطاعة وفى ليلة باردة لم تصرخ الفتاة لم تبكى فقط سكنت سكون كامل كأن الروح قالت: «كفاية» ولأول مرّة فى مكان بعيد عرفت الفتاة حريه الروح والجسد بدون قيود بدون اغلال أو عقاب.
ماتت الفتاة داخل الغرفة التى جلست فيها عام كامل مقيدة بالسلاسل وبالجوع نفسه، وبالصمت الذى طال أكثر مما ينبغى.
فى الصباح حاول الأب أن يتصرف كأن الأمر إجراء روتينى ذهب لاستخراج تصريح دفن الورق كعادته لا يعرف القسوة ولا الرحمة لكن الطبيب رفض طلب أن يرى الجثمان الحقيقة، حين تطلب لا يمكن الهروب منها طويلا.
فى مستشفى قوص المركزى انكشفت القصة آثار القيود والهزال والجسد الذى لم يعرف العناية منذ شهور لم تعد الحكاية «تربية»، بل جريمة مكتملة الأركان تم التحفظ على الأب الأبواب التى أغلقها على ابنته أغلقت عليه.
القرية اهتزت الجيران تذكروا أشياء صغيرة: صمتا طويلا بابا لا يفتح فتاة اختفت فجأة كلهم قالوا: «لم نكن نعرف» لكن قسوة القصة جعلت الحزن يخيم على القرية فتاة فى عمر الزهور ماتت بسبب رفض الأب معالجة ابنته أو محاولة مساعدتها بهدوء ولين مثل أى أب.
وأمام التحقيقات أكد الأب أنه انفصل عن والدة الضحية منذ سنوات وتزوج من أخرى وانجب منها ستة بنات وولد وبسبب عدم سيطرته على أبنته قرر تأديبها خاصة وان والدة الضحية تعيش فى قرية طيبة فحبسها وقيدها حتى لا تتمكن من الهروب مرة أخرى مؤكداً أنها هى من امتنعت عن تناول الطعام والشراب.
وفى جنازة مهيبة ودع سكان القرية جسد فتاة عرفت معنى الظلم والحرمان من كل شئ داعين لها بالرحمة والمغفرة جزاء لها عما عاشته من عذاب وقهر.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض