حكاية وطن
ألقت انتخابات مجلس النواب أوزارها، وهى جمع وزر، وتعنى فى سباق الحرب، الأثقال والأسلحة، والأحمال الثقيلة وهى انتهاء القتال، حيث يضع المقاتلون أسلحتهم ويتوقفون عن الحرب، وتعتبر الانتخابات الحالية هى أطول انتخابات شهدتها مصر منذ أول انتخابات جرت يوم 13 يناير 1924، وفاز فيها حزب الوفد بأغلبية 90٪، من المقاعد، ورسب فى هذه الانتخابات رئيس الوزراء ووزير الداخلية يحيى باشا إبراهيم أمام مرشح حزب الوفد، ما يدل على نزاهة الانتخابات، وعدم تدخل الحكومة فيها، وشكّل حزب الوفد الحكومة برئاسة الزعيم سعد زغلول، وعقدت الجمعية التشريعية أولى جلساتها يوم 15 يناير 1924. كما كان لمصر تجارب برلمانية سابقة، حيث شكّل محمد على باشا مجلس المشورة عام 1839، وأنشأ الخديو إسماعيل مجلس شورى النواب عام 1866.
طول فترة الانتخابات التى دخلت فى قرابة ثلاثة أشهر فى عامين (25-26) لا شك تسبب فى ربكة للناخبين وللمرشحين وللمواطن العادى ولأجهزة الدولة، وأصبح معظم الشعب لا يعرف متى تبدأ العملية الانتخابية فى مرحلة من المراحل، ومتى تنتهى، ومتى يعلن عن البرلمان الجديد بسبب كثرة المواعيد بين إعلان النتائج والإعلان عن الانتخابات الجديدة ما بين الإلغاء والإعادة، مما حمل الهيئة الوطنية للانتخابات عبئا قامت به عن جدارة من أجل الحيدة والنزاهة وحتى تأتى الانتخابات معبرة عن إرادة الناخبين، كما وجّه الرئيس عبدالفتاح السيسى فى الڤيتو الذى اتخذه بعد انتخابات المرحلة الأولى وترتب عليه انضباط العملية الانتخابية فى باقى المراحل، وهو ما يؤكد حرص الدولة على نزاهة الانتخابات وعدم التدخل فيها لمصلحة أى طرف.
للأمانة نقول: إن جميع التجارب الانتخابية السابقة التى جرت فى ظل دستور 1971، شهدت تجاوزات تتوارى أمامها التجاوزات الحالية خجلاً، لكن لا نقول على اللى فات مات عندما تنتهى الانتخابات على طريقة اقتراح هيئات مكاتب مجلس الشعب السابق فى عهد النظام السابق فى إحدى الدورات البرلمانية عندما كشف تقرير جهاز المحاسبات فى عهد رئيسه المستشار جودت الملط، وجود عجز فى الحساب الختامى لموازنة الدولة بأكثر من 20 مليار جنيه، وحاولت هيئات مكاتب المجلس خلال الاجتماع الذى تشكل لمناقشة أسباب هذا العجز وكشف المتسببين فيه، وهذه المكاتب يسيطر عليها نواب الحزب الوطنى، حيث حاولت التغاضى عن هذا المبلغ رغم قيمته الكبيرة خلال هذه الفترة، وأطلق «كبيرهم» عبارة: «نعتبر اللى فات مات، ونقطة ومن أول السطر» ومرت الأزمة مرور الكرام من خلال الأغلبية الميكانيكية البرلمانية التى كانت تحصل على مقاعدها بأصوات الموتى والموقوفين عن ممارسة الحقوق السياسية، وبأسلوب الترهيب والترغيب والمن والسلوى، وذهب المعز وسيفه والتهديد والوعيد وخلافه.
وللحقيقة فإن انتخابات زمان، كان يديرها «معلمون» متمرسون، يرنوك العلقة دون أن يتركوا أثراً للإصابات ويتغنون بالنزاهة، وحتى لا يموت اللى فات على طريقة زمان، لا بد أن يبدأ المتخصصون فوراً وبعد انتهاء الانتخابات بدراسة التجاوزات التى أظهرتها عمليات إعادة الضبط والربط، وتحديد أسبابها وطرق الوقاية منها، ومحاسبة المتسبب فيها ووضعه تحت الميكروسكوب لعدم الاعتماد عليه مستقبلا، وكذلك مراقبة الذين تردد دفعهم ملايين طائلة للحصول على المقعد النيابى من أين جمعوها، ولماذا ضحوا بها، هل رغبة فى تمثيل الشعب فى محاسبة ومراقبة الحكومة أم أن هناك أهدافاً أخرى من وراء الحصول على المقعد؟! مطلوب، ومهم جداً مراجعة ملف الأحزاب السياسية، واتخاذ إجراء ضد الأحزاب الخاملة والتى يطلق عليها لقب أحزاب كرتونية أو عائلية وتثقيف الناخبين وتعريفهم بأن التوجه إلى صناديق الانتخابات فرض والإدلاء بالصوت للمرشح الذى يختاره الناخب حق يمارسه دون فرض عليه، وخضوع النواب الجدد لدورات تدريبية، يجريها مركز تدريب البرلمان، لتعريف النواب أن الحصانة البرلمانية وسيلة لحمايته من بطش الحكومة مقابل محاسبته لها تحت القبة، وليست غاية لتعويض وزيادة أمواله والتكسب من ورائها، ومراجعة قانون الانتخابات لعلاج ما به من سلبيات.