لعل وعسى
نحن نعيش في عالم تحكمه الأرقام والقرارات، عالم يولد فيه الغنى والفقر، وتتحقق فيه الأحلام أو تتبخر. لكن كم منا يفهم حقاً القواعد الخفية التي تحكم هذا العالم؟ كم منا يدرك أن كل شيء حولنا، هو نتاج قوانين اقتصادية؟ ففى خلال العام الماضي رفعت الولايات المتحدة الأمريكية رسومها الجمركية على الواردات بشكل غير مسبوق ،مما أدى إلى آثار سلبية واسعة على الإقتصاد العالمي، وقد أكدت منظمة التجارة العالمية إرتفاع متوسط التعرية الجمركية الأمريكية على الواردات إلى نحو 19% بعد أن كانت لا تتجاوز 3% في بداية عام 2025، هذا التحول وللأسف جاء من دولة طالما تمت الإشارة لها بأنها ركيزة أساسية في دعم التجارة الحرة القائمة على احترام القواعد والقوانين الدولية.وقد سارعت مصر للتكيف مع هذا الواقع الجديد بإبرام العديد من الاتفاقيات مع القوى الإقتصادية العالمية ، والدخول فى شراكات إستراتيجية دولية، لتقليل الإنطباع بتراجع سيادة القانون التجاري الدولي، والتي حل محلها تدريجيا شريعة الغاب القائمة على موازين القوة التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية.ولكن فى هذا المقال يجب أن نؤكد على أن الدول النامية قد نجحت في التجمع حول هدف إقامة نظام إقتصادي دولي جديد, إلا أنها لم تنجح في دفع الشمال للاستجابة لهذه المطالب والأهداف. وتزايد الحديث عن ضرورة الإعتماد الجماعي على الذات وذلك بالعمل على تسريع التنمية في دول الجنوب ودعم القدرة التفاوضية في مواجهة الشمال من أجل إقامة هذا النظام الإقتصادي الجديد. كذلك فإننا نؤكد على أن الاتجاه الدولي الراهن لم يغير حقيقة تعاظم غنى الشمال وتفاقم فقر الجنوب، بل من المتوقع ان الفجوة بين المجموعتين مرشحة للزيادة، خلال العقود القليلة القادمة،وبشكل يبقى على المعادلة غير العادلة بأن: غنى الشمال يتحقق على حساب الجنوب. وهذا ما يجعلنا على بينة بأن عالمنا المعاصر هو عالم مدول، ومدولر، ومسلح. والرأسمالية المتطورة في مراكزه الأساسية (أمريكا الشمالية، أوروبا، واليابان) تعيش ثورتها الرابعة، أي تعيش تكنولوجيا معتمدة على العقل البشري والإلكترونيات الدقيقة، وهي من هذه الزاوية تعيش عالمها الخاص الذي لن يسمح للدول النامية أن ترى صورة مستقبلها القريب فيه.وما يفاقم من حجم المشكلة ما يسمى «بهجرة الأدمغة» من تلك الدول النامية بإتجاه الدول المتطورة, الأمر الذي يفقد هذه الدول النامية جزءا أساسيا من كادرها العلمي والفني، المناط به لعب دور الرافعة في عملية النهوض. وطبقا للتقارير الدولية أنه خلال عشرة أعوام فقط غادر الدول النامية 230 ألف أخصائي ماهر إلى الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا للعمل في مختلف مراكز الأبحاث. وبلغة الإقتصاد تكون الدول النامية قد خسرت ما يوازي 50 مليار دولار. وهذه الأمور تجعل من الصعب تصور شكل النظام الدولي وذلك بالنظر إلى حجم التغيرات التي تحدث في العالم، وسرعة هذه التغيرات، وهو ما جعل مصر بقيادتها السياسية تطرح عناصر التغيير السياسي الجديد، الأمر الذي يعني، أولا أن الإحترام والإعتماد المتبادل هو القانون الأساسي للعلاقات الدولية. ثانياً ان التناقض بين الرأسمالية والاشتراكية لم يعد هو التناقض الرئيسي في النظام الدولي، وإنما توارى لصالح التناقض الأهم وهو المتعلق بإستمرار البشرية.وهو ما جعل دستور 2014 يركز فى مادته رقم 27 على دور الدولة والنظام الاقتصادي فى تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة بعيدا عن أى نظام اقتصادي بعينه. ثالثاً نزع الصفة الإيديولوجية عن العلاقات الدولية، على اعتبار أن المبدأ الذي يحكم حل النزاعات الدولية هو توازن المصالح وليس توازن القوى. والانتقال من المبدأ إلى المصلحة، أى التحول من الدفاع عن عقيدة إلى التفاوض حول احتياجات ومصالح ملموسة، مع البحث عن حلول وسط تجمع بين وجهات النظر المختلفة بدلًا من التقسيم، مع إيجاد حلول عملية وفعالة للمشاكل، حتى لو كانت تتطلب تنازلات عن مواقف أيديولوجية صارمة. وبالتالى برهنت مصر خطأ قول: إذا أردت السلام عليك أن تحضر للحرب. وأن الصواب هو أنه : إذا أردت السلام عليك أن تحضر للسلام.
رئيس المنتدى الاستراتيجى للتنمية والسلام