لم يعد إصلاح الاقتصاد المصري رهين المسكنات التقليدية أو التوسع في القطاعات الاستهلاكية، بل أصبح مرهونًا بنقلة نوعية تعيد تعريف دور الدولة داخل سلاسل القيمة العالمية. فالعالم اليوم لا يكافئ من يملك الموارد فحسب، وإنما من يحسن تحويلها إلى صناعة وتكنولوجيا وتصدير. من هنا أتشرف بإن أتقدم بفكرة «ممر مصر الصناعي الأخضر» بوصفها مشروعًا سياديًا لا يقل أهمية عن قناة السويس ذاتها، بل يمثل امتدادها الصناعي الطبيعي.
ترتكز الفكرة الجوهرية على تحويل محور قناة السويس وسيناء والصعيد إلى منصة إنتاج وتصدير عالمية لمستلزمات الطاقة النظيفة، والسيارات الكهربائية، والتكنولوجيا الرقمية، اعتمادًا على الطاقة المتجددة، والبنية اللوجستية المتطورة، والموقع الجغرافي الفريد لمصر.
أولًا: التصنيع قبل الطاقة
حققت مصر تقدمًا ملموسًا في إنتاج الكهرباء من الشمس والرياح، غير أن القيمة الحقيقية لا تكمن في الاستهلاك، بل في التصنيع. وذلك من خلال إنشاء مجمعات صناعية لإنتاج الألواح الشمسية وبطاريات الليثيوم، بالتعاون مع الصين لتعميم تجربتها في إنارة الطرق والشوارع، يساهم في خفض استهلاك الكهرباء والغاز المستخدم في تشغيل محطات الطاقة، ويوفر مليارات الدولارات التي تُنفق على استيراد الغاز.
وبالتوازي أيضا يبرز تصنيع وإنتاج الرقائق الإلكترونية بالتعاون مع كوريا الجنوبية، اعتمادًا على الرمال البيضاء المصرية عالية الجودة. وتتوافر هذه الرمال بنقاء استثنائي يصل الى 98.5 % في جنوب سيناء (أبو زنيمة، طريق نويبع–سانت كاترين)، والزعفرانة بالصحراء الشرقية، وشمال سيناء (أبو رياش)، إضافة إلى وادي قنا ووادي الدخل وبحر الرمال العظيم، ما يؤهل مصر لتصبح موردًا رئيسيًا للأسواق الأوروبية والأفريقية. وفي السياق ذاته، يُعاد طرح الهيدروجين الأخضر ليس كمبادرة بيئية فقط، بل كصناعة تصديرية مرتبطة بعقود طويلة الأجل مع أوروبا عبر المتوسط.
ثانيًا: مدينة البطاريات الليثيوم قلب الصناعة القادمة
السلعة الأكثر طلبًا في العقد المقبل لن تكون السيارات الكهربائية بقدر ما ستكون البطاريات. إنشاء «مدينة البطاريات الليثيوم» في نطاق قناة السويس وسيناء يضع مصر في قلب سوق عالمي ناشئ. تقديم حوافز ذكية، لا مفتوحة، للشركات الكبرى لإنشاء مصانع تجميع وتصدير، فى نطاق قناة السويس وايضا خدمات لوجستية وصناعية كبرى ودعوة الدول الصناعية الكبرى للأستثمار وفتح فروع لمصانعها مع إلزام تدريجي بنسب مكون محلي، كفيل بتحويل مصر من سوق استهلاكية إلى قاعدة إنتاج إقليمي.
ثالثًا: الاقتصاد الرقمي كرافعة خفية
تمر عبر مصر أكثر من 90% من كابلات الإنترنت بين الشرق والغرب، لكن العائد الكامل لم يتحقق بعد. إنشاء مناطق حرة متخصصة في مراكز البيانات، وتعهيد البرمجيات، وتصميم الرقائق، ينقل مصر من مجرد معبر بيانات إلى منتج لقيمة رقمية عالية العائد، منخفضة الاستيراد، تخدم ميزان المدفوعات مباشرة.
أفكار تنفيذية تتجاوز المألوف
صندوق سيادي صناعي أخضر يشارك في رأس المال بدل الاكتفاء بدور المنظم، بما يضمن عائدًا طويل الأجل للدولة.
عقود شراء حكومية مسبقة (Offtake Agreements) لدعم المصانع الجديدة وتقليل مخاطر الاستثمار.
ربط الأجور بالإنتاجية والتصدير داخل مناطق الممر بدل الأجور الثابتة، لترسيخ ثقافة صناعية حقيقية.
إطلاق بورصة كربون مصرية تتيح للمصانع الخضراء تسويق خفض الانبعاثات كمصدر دخل إضافي.
كيف نبدأ؟
بتشريع استثنائي للأستثمار الأخضر، وتعليم فني موجه للصناعة لا للحفظ، وتمويل شعبي عبر البورصة للمصريين في الداخل والخارج،
إن ممر مصر الصناعي الأخضر ليس مشروعًا بيئيًا، بل قرارًا سياديًا يعيد تموضع مصر من دولة عبور إلى دولة إنتاج، ومن اقتصاد تابع إلى اقتصاد مُصدِّر للمستقبل.