قضية ورأى
يمثل البرلمان الجديد فرصة ثمينة للبناء، ودماء جديدة تضخ فى شرايين العمل السياسى.
وحتى نكون منصفين، تستمد المؤسسات السياسية شرعيتها من شرعية الرئيس، باعتباره منقذ مصر من السقوط فى براثن التطرف والفوضى.
حتى عندما مالت الانتخابات البرلمانية الأخيرة فى اتجاهات مقلقة، تدخل الرئيس وطلب من الهيئة الوطنية للانتخابات ألا تتردد فى اتخاذ القرار الصحيح عند تعذر الوصول إلى إرادة الناخبين الحقيقية سواء بالإلغاء الكامل لهذه المرحلة من الانتخابات.
إذن الرئيس هو الضامن لعدم تغول سلطة على أخرى، وهو من رد حرية الاختيار إلى الناخبين، مطالباً بالكشف بكل أمانة عن إرادة الناخبين الحقيقية.
ويراهن كثيرون، على استمرار الرئيس فى هذا البناء، لأن تصحيح أى خطأ حتى لو صغير، سيحمى الرحلة ويجنبنا ويلات الماضى القريب والبعيد، وويلات من يحدث فى دول الجوار على أيدى المستعمرين الجدد.
ورغم ما شاب الانتخابات البرلمانية من قصور، وتصدر المال السياسى وتحديه للدولة نفسها، وما يمثله ذلك من مخاطر مستقبلاً، فإن نتائج الانتخابات كانت فى النهاية معبرة عمن شارك فيها، حتى لو كانت نسب المشاركة متدنية حتى لو وصلت 7% فى بعض الدوائر.
فالدولة لم تمنع أحداً من المشاركة.
لكن.. أضع نفسى مكان الدولة التى لو فكرت فى إجراء انتخابات المجالس المحلية، فهل سيتغول أصحاب المال ويسيطرون على مفاصل العمل الخدمى فى مصر؟
الحقيقة المرة أن الانتخابات أصبحت تجرى بين مرشحين أثرياء وناخبين فقراء، فى حين غابت الطبقة المتوسطة.
يرصد المرشح عشرات ملايين الجنيهات للدعاية وشراء الأصوات، وينتظر الفقراء لمن سيدفع أكثر مقابل صوتهم، سواء كرتونة قديماً أو 200 جنيه فى الانتخابات الماضية.
أما الطبقة المتوسطة، فغالبيتها عزف عن الانتخابات تعففاً أو عدم اقتناع بجدواها، وتنازل عن صوته وحقه، استسلاماً للطبقتين الغنية والفقيرة.
قديماً كانت الطبقة المتوسطة فى المدن والريف هى التى تحدد مصير الانتخابات، ويدفع أبناء هذه الطبقة من جيوبهم دعاية المرشح وينفقون عليه.
كانت العائلات الكبيرة والمثقفون يتصدرون بقوة للعمل العام والسياسى، سواء لمرشح الدولة أو مرشح المعارضة.
الآن، الغالبية تبحث عمن يدفع أكثر.
أحياناً تقع الدول فى فخ «سحق الطبقة المتوسط»، عندما تهتم بالاستثمارات الكبرى المخصصة للطبقة العليا، وعندما توفر شبكات حماية اجتماعية للطبقة الفقيرة، بينما تترك الطبقة الوسطى وحدها لمواجهة التضخم وارتفاع الأسعار دون دعم حقيقى.
الطبقة المتوسطة هى «العمود الفقرى» لأى نظام سياسى مستقر، فهى ليست مجرد شريحة اقتصادية ذات دخل محدد، بل هى صمام أمان يمنع المجتمع من الانقسام الحاد بين ثراء فاحش وفقر مدقع.
يميل أبناء الطبقة المتوسطة غالباً إلى «الاعتدال السياسى» وتجنب الأيديولوجيات المتطرفة، لأن لديهم ما يخشون خسارته من وظائف، وممتلكات، وتعليم أبنائهم.. واستقرار هذه الطبقة يعنى استقرار القوانين والمؤسسات، فهى الفئة الأكثر حرصاً على تطبيق سيادة القانون وحماية الملكية الخاصة.
قوة النظام السياسى تقاس بمدى اتساع الطبقة الوسطى فيه، فكلما كانت هذه الطبقة قوية ومطمئنة، كان النظام أكثر حصانة ضد الهزات والاضطرابات.
وللأسف تتآكل هذه الطبقة فى صمت، بعد أن أصبحت مرتبات ومعاشات ودخول أبنائها، تضعهم فى شريحة الفقراء المتعففين.
استكمال البناء يحتاج لإنقاذ هذه الطبقة، لأنها الضمانة الحقيقية للاستقرار والبناء السياسى.
حفظ الله مصر