حين نقرأ اليوم عن المجتمع الأمريكي—وسط الأخبار العاجلة وضجيج السوشيال ميديا، وثقافة الاستهلاك السريع، ونقاشات الهوية التي لا تنتهي—يبدو لنا أن أمريكا تغيّرت كثيرًا. لكن المفارقة أن قارئ كتاب "أمريكا وأنا" لجاذبية صدقي، الصادر عام 1962، سيكتشف أن كثيرًا من الأسئلة التي حيّرتنا الآن كانت مطروحة منذ أكثر من ستين عامًا، وإن بصيغ أبسط.
جاذبية صدقي (1920-2001) لم تذهب إلى الولايات المتحدة كسائحة تلتقط الصور، ولا ككاتبة تبحث عن الغرابة في الغرب، بل كمحاضِرة زائرة في جامعة ويسترن إلينوي Western Illinois عام 1960، في فترة حكم عبدالناصر، حيث كانت الثقافة رسالة، والمثقف شبه دبلوماسي. هذا الموقع التمثيلي ينعكس بوضوح في نبرة الكتاب: نبرة امرأة تشاهد، وتقارن، وتعلّق، أحيانًا بجدية صارمة، وأحيانًا بسخرية رشيقة.
تدخل جاذبية صدقي إلى المجتمع الأمريكي من مدخل غير متوقَّع: الطعام. فـ«السَلَطة» هناك، المثقلة بالمايونيز والصلصات والألوان، تتحول في نصها إلى مجازٍ حضاريٍّ كامل. إنها علامة على نزعةٍ أمريكية تُفضِّل الضخامة والإفراط: مطاعم للأكل حتى التخمة، قهوة تُقدَّم في أوعية عملاقة تُسمّى مَج، وسيارات فارهة تستهلك الوقود استهلاكا فائقا.
في المقابل، يبدو إصرارها على سلطة خضراء «طازجة» كأنه فعل مقاومة غذائية مبكرة، احتجاجٌ صامت على بطرٍ حضاريٍّ يخلط الوفرة بالإشباع، ويحسب الزيادة فضيلة.
لكن الذروة الحقيقية في الكتاب تأتي حين تنقل نظرها من المطبخ إلى المجتمع، وبالتحديد إلى النساء "العوانس"—كما تسميهن—والارامل والعجائز: " العوانس منتشرات انتشاراً فظيعاً في أمريكا. ولقد التقيت بمجموعات أخرى منهن، يبدو أن بلوغ الذروة في المدنية يعني هبوطاً من الجانب الآخر للجبل! سنّة الطبيعة هكذا، ويبدو ألا كمال في الدنيا!" هنا تظهر بوضوح زاوية الرؤية الأنثوية. فبينما ركّز كثير من الرحالة من الرجال المصريين على جمال المرأة الأمريكية ومفاتنها، التفتت صدقي إلى من لا يلتفت إليهم أحد: نساء بلا زواج، كبار سن بلا عائلة، وقلوب تعيش في وحدة باردة وسط رفاهية مذهلة. الحداثة، في نظرها، منتصرة تقنيًا، لكنها خاسرة إنسانيًا.
من هذا المنطلق، تصطدم الكاتبة بالفردانية والبرجماتية الأمريكية المفرطة، حيث يُنظر إلى العجوز بوصفه “خارج الخدمة”، يعني قيمته في حجم انتاجه وعمله وليس في ذاته.
ولا يمكن فصل هذا كله عن سياقه السياسي. فجاذبية صدقي تكتب وهي تمثل مصر عبد الناصر، وتدرك أن “الأنا” في كتابها ليست شخصية فقط، بل جماعية. لذا تأتي أحكامها حادة أحيانًا، ومطلقة أحيانًا أخرى.
في النهاية، لا يقدّم كتاب «أمريكا وأنا» صورة نهائية عن أمريكا، بل مرآة نرى فيها أنفسنا. كتاب يضحكك أحيانًا—ويقلقك أحيانًا أخرى. لكنني أعتقد أنّ قيمته الحقيقية تكمن في أنه يذكّرنا بأن سؤال الحضارة لايجب أن يكون: إلى أي مدى تقدّمت المجتمعات؟ بل: من الذي تركته وحيدًا على الطريق؟