رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

الهند تفتح ملف هواتف العالم.. جدل واسع حول طلب مشاركة الشيفرة المصدرية

بوابة الوفد الإلكترونية

في خطوة أثارت نقاشًا حادًا داخل أروقة صناعة التكنولوجيا العالمية، طرحت الحكومة الهندية مقترحًا جديدًا يُلزم شركات تصنيع الهواتف الذكية بمشاركة الشيفرة المصدرية لأنظمتها البرمجية مع الجهات الحكومية، ضمن حزمة واسعة من متطلبات الأمن السيبراني.

 المقترح، الذي لا يزال قيد التشاور، وضع شركات كبرى مثل آبل وسامسونج وجوجل في مواجهة مباشرة مع واحدة من أكبر أسواق الهواتف الذكية في العالم.

الهند، التي تضم نحو 750 مليون هاتف ذكي نشط، تسعى من خلال هذه الخطوة إلى تعزيز أمن بيانات المستخدمين، في وقت تشهد فيه البلاد تصاعدًا ملحوظًا في جرائم الاحتيال الرقمي وتسريبات البيانات. 

ووفقًا لوثائق حكومية وتقارير اطّلعت عليها رويترز، فإن الخطة تشمل 83 معيارًا أمنيًا جديدًا، من أبرزها إتاحة الوصول إلى الشيفرة المصدرية للهواتف، وإخطار الحكومة مسبقًا بالتحديثات البرمجية الكبرى.

من وجهة نظر نيودلهي، يأتي هذا التوجه في إطار استراتيجية أوسع يقودها رئيس الوزراء ناريندرا مودي لتشديد الرقابة الرقمية وحماية البنية التحتية التكنولوجية، خاصة مع اعتماد ملايين المواطنين على الهواتف الذكية في الخدمات المالية، والتواصل، والعمل. 

مسؤولون في وزارة تكنولوجيا المعلومات أكدوا أن المقترحات لا تزال محل نقاش، وأن الحكومة منفتحة على الاستماع لمخاوف الشركات.

لكن خلف الكواليس، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. شركات التكنولوجيا ترى أن طلب مشاركة الشيفرة المصدرية يمس جوهر أسرارها التجارية، ويفتح الباب أمام مخاطر تتعلق بالملكية الفكرية والخصوصية. الشيفرة المصدرية، التي تمثل العصب الأساسي لأي نظام تشغيل أو تطبيق، تُعد من أكثر الأصول حساسية لدى الشركات، وغالبًا ما تُعامل كخط أحمر لا يمكن تجاوزه.

وثائق صادرة عن رابطة صناعة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في الهند، التي تمثل شركات مثل آبل وسامسونج وشاومي، تشير إلى أن هذه المتطلبات لا يوجد لها سابقة عالمية. فدول كبرى في الاتحاد الأوروبي وأمريكا الشمالية وأستراليا لا تلزم الشركات بمثل هذا المستوى من الكشف البرمجي، حتى في إطار سياسات الأمن القومي.

المقترحات الهندية لا تتوقف عند الشيفرة المصدرية فقط، بل تشمل أيضًا فرض تغييرات برمجية تسمح بإزالة التطبيقات المثبتة مسبقًا، ومنع التطبيقات من الوصول إلى الكاميرا أو الميكروفون في الخلفية دون إذن واضح، إضافة إلى فرض فحص دوري تلقائي للبرمجيات الخبيثة. كما تطالب الخطة بتخزين سجلات النظام لمدة تصل إلى 12 شهرًا على الجهاز نفسه.

الشركات من جانبها ترى أن بعض هذه المتطلبات غير عملية. فالفحص المستمر للبرمجيات الخبيثة قد يؤثر على عمر البطارية وأداء الجهاز، بينما يتطلب إخطار الحكومة بالتحديثات الأمنية سرعة لا تتماشى مع آليات الموافقة الرسمية. أما تخزين سجلات التشغيل لمدة عام كامل، فيُنظر إليه على أنه عبء تقني، خاصة على الأجهزة ذات السعات التخزينية المحدودة.

السوق الهندية تجعل هذا الجدل أكثر حساسية. سامسونج وشاومي تستحوذان على نسب كبيرة من المبيعات، فيما تواصل آبل توسيع حضورها رغم حصتها الأصغر نسبيًا. أي تشريع صارم قد يدفع الشركات إلى إعادة تقييم استثماراتها أو نماذج عملها داخل البلاد، وهو ما لا ترغب به الحكومة التي تسعى في الوقت نفسه لجذب الاستثمارات وتعزيز التصنيع المحلي.

هذه ليست المرة الأولى التي تتصادم فيها نيودلهي مع شركات التكنولوجيا العالمية. ففي السنوات الأخيرة، طُرحت مقترحات تتعلق بتطبيقات حكومية للأمن السيبراني، وتشديد اختبارات الكاميرات، ومطالبات بتوسيع صلاحيات التتبع، ما جعل الهند ساحة اختبار عالمية للتوازن بين الأمن الرقمي وحرية الابتكار.

حتى الآن، لا تزال المفاوضات مستمرة، ومن المقرر عقد اجتماعات إضافية بين مسؤولي الحكومة والتنفيذيين في شركات التكنولوجيا خلال الأيام المقبلة. النتيجة النهائية ستحدد ليس فقط مستقبل سوق الهواتف الذكية في الهند، بل قد تشكل نموذجًا تراقبه دول أخرى تفكر في تشديد قبضتها التنظيمية على عالم التكنولوجيا.

في عالم يتزايد فيه الاعتماد على الأجهزة الذكية، يبدو أن الصراع بين متطلبات الأمن وحقوق الخصوصية وأسرار الابتكار مرشح للتصاعد، والهند اليوم تقف في قلب هذا الجدل العالمي.