الأزهر للفتوى: استغلال الأزمات ورفع الأسعار جشع محرَّم وعدوان على مقاصد الشريعة
حذّر مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية من خطورة استغلال حاجة الناس والظروف الاستثنائية التي يمر بها المجتمع لتحقيق مكاسب مالية مضاعفة، مؤكدًا أن هذا السلوك يُعد جشعًا محرَّمًا شرعًا، ويتنافى مع القيم الكبرى التي أرساها الإسلام في المعاملات المالية، وعلى رأسها العدل، والرحمة، ورفع الضرر، والتكافل، وصيانة مصالح المجتمع.
الاقتصاد في الإسلام قائم على العدل لا الاستغلال
وأوضح المركز أن النظام الاقتصادي في الإسلام يقوم على تحقيق التوازن والعدالة بين أطراف المعاملة، لا على اغتنام الأزمات وتحويل معاناة الناس إلى وسيلة للربح غير المشروع، مشددًا على أن ضيق أحوال الناس لا يجوز أن يكون بابًا للثراء السريع، لما في ذلك من إضرار مباشر بالمجتمع، وزعزعة للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وإشاعة مشاعر الغبن والظلم بين أفراده.
وأكد أن الشريعة الإسلامية جاءت لحفظ مصالح العباد ودفع المفاسد عنهم، لا لتعميق الأزمات أو تحميل الناس ما لا يطيقون، وهو ما يجعل استغلال الظروف القهرية للناس أمرًا مرفوضًا شرعًا وأخلاقيًا.
رفع الأسعار وقت الحاجة.. مخالفة صريحة للمنهج النبوي
وأشار مركز الأزهر للفتوى إلى أن رفع الأسعار بصورة مبالغ فيها عند حاجة الناس، حتى وإن لم يصاحبه احتكار صريح أو حبس متعمد للسلع، يُعد سلوكًا منهيًا عنه شرعًا، استنادًا إلى القاعدة النبوية الجامعة: «لا ضرر ولا ضرار»، لما يترتب عليه من تحميل الناس فوق طاقتهم، واستغلال أوضاعهم القهرية، ومخالفة روح الشريعة التي تقوم على التيسير لا التعسير.
وأوضح أن مجرد تعمد زيادة الأسعار دون مبرر حقيقي في أوقات الأزمات يمثل صورة من صور الظلم الاقتصادي، حتى لو تم في إطار البيع العلني، لأن العبرة في الشريعة ليست بالشكل الظاهري للمعاملة، وإنما بأثرها ونتائجها على الناس.
التواطؤ على الأسعار صورة من الإضرار الجماعي
ونبه المركز إلى خطورة تواطؤ بعض التجار على توحيد سعر مرتفع لسلعة معينة بقصد تضخيم الأرباح، مؤكدًا أن هذا السلوك ينافي الأمانة، ويُعد صورة من صور الإضرار الجماعي بالمستهلكين، وإخلالًا بعدالة السوق التي أمر الإسلام بحفظها وصيانتها.
واستشهد المركز بقول النبي ﷺ: «مَنِ احْتَكَرَ حُكْرَةً، يُرِيدُ أَنْ يُغْلِيَ بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَهُوَ خَاطِئٌ»، موضحًا أن الاحتكار لا يقتصر فقط على حبس السلع، بل يشمل كل تصرف يؤدي إلى تضييق على الناس أو تحميلهم أعباءً غير مبررة.
ترويج الشائعات لرفع الأسعار جشع محرم
كما حذر مركز الأزهر للفتوى من خطورة ترويج الشائعات حول نقص السلع أو قرب نفادها بقصد إثارة الخوف في نفوس الناس وزيادة الطلب ورفع الأسعار، معتبرًا ذلك استغلالًا محرمًا وجشعًا مذمومًا، يناقض مبدأ الصدق والطمأنينة في المعاملات، ويخالف توجيه النبي ﷺ الداعي إلى قضاء حوائج الناس والتيسير عليهم.
وأكد أن بث الخوف الاقتصادي بين الناس لتحقيق مكاسب مادية سريعة يمثل اعتداءً على القيم الأخلاقية، ويقوض الثقة داخل المجتمع، ويؤدي إلى اضطراب الأسواق وزيادة الأزمات بدلًا من احتوائها.
الربح بلا بركة والتجارة بالرحمة
وشدد المركز على أن الربح الناتج عن استغلال حاجة الناس، وإن بدا مغريًا وسريعًا، فهو ربح ممحوق البركة، لا يدوم ولا يحقق الطمأنينة، بينما التجارة القائمة على الرحمة، والعدل، وعدم استغلال الأزمات، سبب لدوام الرزق وبركته، ونيل التوفيق ورضا الله تعالى.
واختتم مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بيانه بالتأكيد على أن الشريعة الإسلامية لا تعادي الربح المشروع، لكنها تضع له ضوابط أخلاقية وإنسانية، تحفظ كرامة الإنسان، وتصون المجتمع من الجشع، وتؤسس لاقتصاد قائم على الرحمة قبل المكسب، وعلى القيم قبل الأرقام.