يُعد تنفيذ واشنطن غارة عسكرية مباغتة على العاصمة الفنزويلية كاراكاس واعتقال رئيسها واقتياده مُكبّلًا إلى محاكمة داخل الولايات المتحدة ليس مجرد تهديد سياسي عابر، بل ذروة انحدار أخلاقي وقانوني في الخطاب الأميركي وميثاق السياسة الدولية، وعودة صريحة إلى منطق الإمبراطورية التي ترى العالم ساحة مفتوحة للقصف ثم قاعة محكمة تابعة لها.
حين يقوم دونالد ترامب بقصف دولة ذات سيادة، واختطاف رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس على مرأى ومسمع من العالم، ثم محاكمتهما على الأراضي الأميركية بتهم "الإرهاب والإتجار بالمخدرات والسلاح"، فهو لا يدّعي تطبيق العدالة، بل يعلن صراحة موت القانون الدولي.
أما مادورو، فسواء اتفقت معه أو اختلفت، يظل رئيسًا منتخبًا لدولة عضو في الأمم المتحدة. محاكمته لا تكون في نيويورك، بل إن وُجدت عبر آليات دولية مستقلة، لا في محاكم دولة تُعلن العداء المُسبق، وتفرض حصارًا خانقًا، وتتباهى بإفقار شعب كامل لإسقاط نظامه. ما يُطرح هنا ليس قانونًا، بل انتقام سياسي مغلف بصبغة قضائية زائفة.
حيث أكد أستاذ القانون الدولي بجامعة ميدلسكس في لندن وليام شاباس "أن القانون الدولي لا يترك مجالًا واسعًا للتأويل حيث يتعلق الأمر باستخدام القوة، إذ يحظر ميثاق الأمم المتحدة ذلك بشكل واضح، باستثناء حالتين: إما الدفاع عن النفس في حال التعرض لهجوم مسلح مباشر، أو في حال وجود تفويض من مجلس الأمن". بالإضافة إلى أن رئيس الدولة يتمتع بحصانة كاملة أمام محاكم الدول الأخرى، وهو مبدأ كرسته محكمة العدل الدولية عام ٢٠٠٢، وأقرت به الولايات المتحدة.
الأخطر والأدهى من كل ذلك أن محاكمة مادورو في الولايات المتحدة تعني سابقة خطيرة: دولة تنصّب نفسها قاضيًا وجلادًا في آن واحد. اليوم مادورو، وغدًا أي رئيس يخرج عن تقديم فروض الولاء والطاعة. بهذا المنطق، لا تعود السيادة سوى وهم، ولا يصبح الاستقلال إلا إذنًا مؤقتًا من واشنطن. ويُحكم العالم بمنطق الغاب ويُدار بسياسة البقاء للأقوى.
علاوة على ذلك، فإن هذا التصعيد يفضح أزمة داخلية أميركية عميقة تُصَّدر إلى الخارج. فحين تعجز السياسة عن إقناع الناخب، تتحول الحرب إلى دعاية، والخصم في الخارج إلى ذريعة، وتُستَخدم الدول الضعيفة كوقود لصراعات ومعارك انتخابية لا علاقة لها بالقانون ولا بالعدالة.
الحديث عن الديمقراطية هنا خدعة رخيصة. فالديمقراطية لا تُسقِطها القنابل، ولا تُبنَى على أنقاض المدن، ولا تُدار عبر محاكم الخصوم. ما يُراد حقًا هو النفط، والقرار السياسي، وسحق نموذج يرفض الانصياع.
في النهاية، إن قصف فنزويلا ومحاكمة مادورو ليسا دفاعًا عن القانون، بل إعلان حرب على فكرة الدولة المستقلة نفسها. إنه مشروع إخضاع وتقويض كامل، يُراد له أن يكون درسًا وإنذارًا للعالم تحت شعار: من لا يركع، يُقصَف.. ثم يُحاكَم.