نقص التقاوى بمنافذ الجمعيات يهدد رغيف العيش
السوق السوداء تتحكم فى محصول القمح
3.5 مليون فدان و10 ملايين طن.. إحصاءات متوقعة للموسم القادم
نقيب الفلاحين: توزيع مبكر وفجوة تقديرية وراء شكاوى النقص
1100 جنيه للشيكارة فى الجمعية الزراعية والتقاوى الكسر بـ 450 فقط
خبراء يحذرون: التقاوى مجهولة المصدر خطر يهدد المحصول
مع انطلاق موسم زراعة القمح، فوجئ آلاف المزارعين بندرة التقاوى المعتمدة فى المنافذ الرسمية، رغم إعلان الجهات المختصة جاهزية الموسم. وأصبح السؤال الذى يفرض نفسه: هل المشكلة فى حجم الإنتاج أم فى منظومة التوزيع؟ ولماذا لم تتناسب الكميات المطروحة مع المساحات المستهدفة بالزراعة؟
مزارعون أكدوا أن التقاوى نفدت مبكرًا، بينما لم تُفتح منافذ جديدة أو تُطرح بدائل واضحة، ما كشف عن فجوة بين التخطيط واحتياجات الأرض الفعلية.
وفى ظل الغياب الرسمى، تمددت سوق موازية لتجارة التقاوى، تفتقر لأى معايير جودة، هذه السوق تطرح سؤالًا أخطر: كيف تُباع تقاوى مجهولة المصدر علنًا دون مساءلة؟ وأين دور الأجهزة الرقابية فى ضبط الأصناف غير المسجلة التى تهدد هذا المحصول الاستراتيجي؟
خبراء يرون أن هذه السوق ليست وليدة اللحظة، لكنها تتغذى على ضعف الرقابة وتكرار الأزمات الموسمية، والضرر لا يظهر فورًا، لكنه يتسلل تدريجيًا داخل الحقول حيث انخفاض نسب الإنبات، ضعف السنابل، وانتشار الأمراض، وكلها مؤشرات مرتبطة مباشرة بجودة التقاوى.. هنا يبرز تساؤل حاسم: من يتحمل خسائر المزارع إذا فشل المحصول؟ وهل توجد آلية تعويض أو إنذار مبكر؟ مؤكدين أن موسمًا واحدًا بتقاوى ضعيفة قد يترك أثرًا ممتدًا على خصوبة الأرض وجودة التقاوى الذاتية فى المواسم التالية.
من قلب الأزمة
فى قرية صغيرة بمحافظة قنا، يبدأ موسم القمح كل عام محمّلًا بالأمل والقلق معًا. أمل فى محصول وفير يعين الأسرة على أعباء الحياة، وقلق من حسابات لا ترحم فى ظل ارتفاع تكاليف الزراعة. عبده عبد الشافى، أحد مزارعى القمح بالمحافظة، كان يظن أن رحلته هذا الموسم ستبدأ كالمعتاد من الجمعية الزراعية، حيث اعتاد لسنوات أن يحصل على تقاوى القمح المدعومة، لكن الواقع هذه المرة كان مختلفًا تمامًا.
يقول عبده: “دخلت الجمعية الزراعية وأنا متطمن، باعتبار أن تقاوى الحكومة هى الأضمن والأوفر، لكنى فوجئت بالسعر المرتفع للتقاوي» فهذا السعر كان كفيلًا بقلب حساباته رأسًا على عقب، فتكلفة شراء التقاوى من الجمعية تجاوزت قدرته، وأضافت عبئًا جديدًا إلى قائمة طويلة من المصروفات التى تشمل السماد والرى والعمالة، فى تلك اللحظة، شعر وكأن الموسم كله ينهار قبل أن يبدأ.
وقف عبده أمام شباك الجمعية حائرا ثم أخذ خطوة إلى الخلف، وغادر المكان وقد خفتت آماله فى الحصول على “تقاوى الحكومة”، وسار فى طريقه إلى المنزل غارقًا فى التفكير: من أين له أن يدبر هذه المصاريف؟ والتقاوى التى احتفظ بها من الموسم الماضى لم تعد صالحة للزراعة، بعد أن أُنهكت بفعل التخزين؟
لم يجد عبده مفرًا من اللجوء إلى حل اضطرارى، إذ توجه إلى أحد جيرانه وطلب منه 32 كيلو من “تقاوى الكسر” على سبيل السلفة، وبالفعل وافق الجار على منحه التقاوى بنصف التمن تقريبًا”، فبينما كانت الكمية نفسها تُباع فى الجمعية الزراعية بنحو 1100 جنيه، حصل عليها من جاره مقابل نحو 450 جنيهًا فقط.
لكن هذا الحل لا يخلو من المخاطر، فتقاوى “الكسر” أقل جودة، وقد تؤثر على إنتاجية الفدان وجودة المحصول فى نهاية الموسم، ويشير عبده إلى أن التقاوى الحكومية غالبًا ما تكون متاحة فى الأسواق، لكن ليس عبر القنوات الرسمية، “أحيانًا بنلاقيها فى السوق السوداء بأسعار أعلى” موضحًا أن بعض المزارعين يحصلون على التقاوى المدعومة ثم يعيدون بيعها لتحقيق ربح سريع.
ويؤكد، أن توقيت زراعة القمح لا يقل أهمية عن نوعية التقاوى، فالموسم المثالى يبدأ من نوفمبر وحتى نهاية ديسمبر، وبعد ذلك يمكن الزراعة، لكن الإنتاجية والجودة تنخفضان بشكل ملحوظ، هذا ما يجعل التأخير فى توفير التقاوى أزمة حقيقية، لا مجرد مشكلة عابرة.
قصة عبده عبد الشافى ليست حالة فردية، بل تعكس واقعًا يوميًا يعيشه آلاف المزارعين، حيث تتقاطع الأحلام البسيطة بمحصول جيد مع تعقيدات السوق وارتفاع التكاليف، ليبقى القمح، رغم كونه محصولًا استراتيجيًا، رحلة شاقة تبدأ من بذرة يصعب الحصول عليها.
وأكد حسين أبو صدام، نقيب الفلاحين، أن وزارة الزراعة تحرص سنويًا على توزيع تقاوى القمح المعتمدة على المزارعين فى توقيت مبكر، قبل بدء الموسم الرسمى، وذلك لتفادى التأخر عن مواعيد الزراعة المثلى، التى تمتد من شهر نوفمبر وحتى نهاية ديسمبر من كل عام، مشددًا على أن الالتزام بالتوقيتات الزراعية يمثل عاملًا حاسمًا فى تحقيق إنتاجية مرتفعة للمحصول.
فجوة تقديرية
وأوضح أبو صدام لـ«الوفد»، أن ما أثير مؤخرًا حول وجود نقص فى تقاوى القمح بالسوق لا يعكس بالضرورة أزمة حقيقية بقدر ما يرتبط بما وصفه بـ«فجوة تقديرية» بين المساحات التى يتم التخطيط لزراعتها، وبين العدد الفعلى للمزارعين الذين يتجهون لزراعة القمح كل موسم. وأشار إلى أن هذه الفجوة قد تظهر من وقت لآخر نتيجة غياب بيانات دقيقة ومحدثة عن خريطة المحاصيل، وهو ما يربك حسابات الإنتاج والتوزيع.
وأضاف نقيب الفلاحين أن التقديرات غير الدقيقة قد تقود أحيانًا إلى نتائج عكسية، ففى بعض المواسم تقوم الوزارة بإنتاج كميات من التقاوى تفوق الطلب الفعلى، ما يضطرها لاحقًا إلى إعدام الفائض غير المستخدم، وهو ما يمثل خسائر مالية كبيرة تتحملها الدولة. وفى مواسم أخرى، قد يحدث العكس، حيث يتجاوز الإقبال على زراعة القمح الكميات المقدرة من التقاوى، فتظهر شكاوى النقص فى بعض المناطق.
وحول ارتفاع أسعار التقاوى فى السوق، أرجع أبو صدام ذلك إلى تأخر بعض المزارعين فى الشروع بزراعة المحصول فى موعده المناسب، الأمر الذى يفتح المجال أمام تجار التقاوى لاستغلال هذا التأخير وطرح التقاوى بأسعار أعلى من السعر الرسمى المعتمد من وزارة الزراعة. وأكد أن التقاوى التى توزعها الوزارة عبر الجمعيات الزراعية تُطرح بأسعار أقل بكثير من السوق، لكن ضعف الالتزام بالمواعيد يضع المزارع تحت ضغط الحاجة، ويجعله فريسة للمضاربة.
حيلة الأسمدة والمبيدات
وتطرق نقيب الفلاحين إلى ظاهرة أخرى وصفها بـ«السلبية»، تتمثل فى توجه بعض المزارعين إلى الجمعيات الزراعية للحصول على تقاوى القمح ليس بغرض زراعة المحصول، وإنما للاستفادة من حصة الأسمدة والمبيدات المقررة على القمح، ثم استخدامها فى زراعات أخرى.
واعتبر أن هذا السلوك يضر بالمنظومة الزراعية ككل، لأنه يؤدى إلى تشويه البيانات المتعلقة بالمساحات المزروعة فعليًا، ويخلق فجوة بين الأرقام الرسمية والواقع على الأرض، ما ينعكس فى النهاية على حجم الإنتاج الكلى للمحصول.
وأكد أبو صدام أن هذه الممارسات لا تؤثر فقط على تقديرات وزارة الزراعة، بل تمتد آثارها إلى الأمن الغذائى، خاصة أن القمح يعد محصولًا استراتيجيًا تمس إنتاجيته احتياجات الدولة من الاستيراد، موضحًا أن أى خلل فى منظومة التقاوى أو التوزيع ينعكس بالضرورة على حجم الإنتاج المحلى.
وفيما يتعلق بالموقف الحالى للموسم الزراعى، كشف نقيب الفلاحين أن المساحات التى تمت زراعتها بمحصول القمح حتى الآن تقدر بنحو 3 ملايين فدان، متوقعًا أن تصل المساحة النهائية إلى 3.5 مليون فدان قبل انتهاء الموسم. وأعرب عن تفاؤله بإمكانية تجاوز حجم الإنتاج 10 ملايين طن، حال استقرت الأوضاع المناخية والتزم المزارعين بالإرشادات الفنية.
وحول الجدل الدائر بشأن جودة التقاوى، أوضح أبو صدام أن ما يُعرف بـ«التقاوى المكسورة» يمكن أن تنتج إنتاجية مماثلة للتقاوى الحديثة، مرجعًا ذلك إلى خبرة ووعى المزارع المصرى، الذى أصبح قادرًا على التعامل مع البذور وتحسين كفاءتها من خلال الممارسات الزراعية السليمة. لكنه حذر فى الوقت نفسه من الاعتماد المتكرر على نفس التقاوى لأكثر من موسم، مؤكدًا أن إعادة استخدام التقاوى لعدة سنوات متتالية قد يؤدى إلى ضعف المحصول تدريجيًا، بما يؤثر سلبًا على متوسط الإنتاج العام.
وفى ختام حديثه، أوضح نقيب الفلاحين أن الجمعيات الزراعية تقوم بتوزيع التقاوى فى أجولة بوزن 30 كيلوجرامًا للشيكارة الواحدة، بينما يحتاج الفدان فى المتوسط إلى نحو 150 كيلوجرامًا من التقاوى، لإنتاج ما يقارب 22 أردب قمح للفدان كمتوسط عام. ولفت إلى أن سعر أردب التقاوى يصل حاليًا إلى نحو 2500 جنيه، مشددًا على أهمية إحكام الرقابة على منظومة التوزيع وضمان وصول التقاوى المدعمة لمستحقيها، حفاظًا على استقرار الموسم الزراعى وتعظيم إنتاج القمح المحلى.
توزيع معقد
فى ظل التحديات المتصاعدة التى تواجه الأمن الغذائى المصرى، لا سيما فيما يتعلق بمحصول القمح بوصفه المحصول الاستراتيجى الأهم، تبرز تساؤلات عديدة حول آليات توزيع التقاوى، وجدوى السياسات التسعيرية، وقدرة الفلاح على الاستمرار وسط أعباء اقتصادية متزايدة. وفى هذا السياق، كشف المهندس صباح بلال، خبير ومدير عام التنمية الزراعية بشرق الدلتا وسيناء وكفر الشيخ سابقًا، عن كواليس دقيقة تتعلق بزراعة القمح وإنتاجه، مؤكدًا أن المنظومة الزراعية تحتاج إلى رؤية شاملة تتجاوز الحلول المؤقتة.
وأكد أن التقاوى الزراعية متوافرة فى جميع المحافظات، لكن توزيعها يخضع لمعايير دقيقة، فى مقدمتها طبيعة المناخ وخصائص الأرض ومدى ملاءمتها لكل محصول.
وأوضح أن كل محافظة، بل وكل منطقة زراعية، تقوم بإرسال بيانات دقيقة إلى وزارة الزراعة بشأن المساحات المقرر زراعتها بالقمح، وعلى أساسها تحدد الوزارة الكميات التى يتم ضخها للجمعيات الزراعية.
وأشار إلى أن هذا النظام يهدف إلى تحقيق أعلى إنتاجية ممكنة من وحدة الأرض، مشددًا على أن الزراعة العشوائية أو غير الملائمة لطبيعة الأرض تؤدى إلى خسائر فادحة، سواء على مستوى الإنتاج أو جودة المحصول.
وحول تأثير الأوضاع الاقتصادية، شدد «بلال» على أن الحالة الاقتصادية لأى محصول تلعب دورًا حاسمًا فى إنتاجه وجودته، لافتًا إلى أن الفلاح غالبًا لا يشعر بالعائد الحقيقى بسبب وجود حلقة من الوسطاء أو «السماسرة» بينه وبين التاجر، تستنزف هامش الربح.
وأضاف أن، هذه الحلقة تمثل عبئًا كبيرًا على المزارع، وتُضعف الحافز على التوسع فى الزراعة، رغم الجهود الحكومية المبذولة لتشجيع زراعة القمح، وعلى رأسها تحديد سعر توريد الأردب مسبقًا.
وأوضح الخبير الزراعى، أن تحديد الحكومة لسعر توريد القمح يُعد خطوة إيجابية تشجع الفلاحين على زراعته وتوريده للدولة، لكنه فى الوقت نفسه لا يحل الإشكالية الجوهرية المتمثلة فى ثبات المساحة المزروعة بالقمح.
وأكد، أن الرقعة الزراعية المخصصة للقمح شبه ثابتة، ولا يمكن زيادتها على حساب محاصيل أخرى دون الإضرار بالتوازن الزراعى، وهو ما يمثل أحد أكبر التحديات أمام تحقيق الاكتفاء الذاتى.
وتطرق المهندس صباح بلال إلى الجدل الدائر حول استخدام تقاوى القمح “الكسر”، موضحًا أن المزارع قد يلجأ لإعادة زراعتها إذا كانت تتمتع بجودة مناسبة وتتلاءم مع خصائص الأرض. لكنه حذر فى الوقت نفسه من خطورة تغيير نوع التقاوى دون مراعاة طبيعة التربة، مؤكدًا أن ذلك قد “يقلل إنتاجية المحصول”.
وأشار إلى أن مركز البحوث الزراعية يتعامل مع ملف التقاوى باعتباره أمنًا قوميًّا، ويجب إتاحتها بجودة عالية وبأسعار مناسبة للمزارعين، لضمان استدامة الإنتاج.
وأكد «بلال» أن الفلاح المصرى لم يعد كما كان، بل أصبح يمتلك خبرة ووعيًا كبيرين، ويستطيع التفرقة بين الحالات التى يمكن فيها استخدام التقاوى القديمة، وتلك التى تستوجب الاعتماد على تقاوى معتمدة جديدة، مشددًا على أن الخبرة الميدانية باتت عنصرًا حاسمًا فى نجاح الزراعة
واختتم الخبير الزراعى حديثه بالتأكيد على أن مصر من أكبر الدول المستوردة للقمح عالميًا، نتيجة الاعتماد الكبير على رغيف الخبز كغذاء أساسى، موضحًا أن الحل الجذرى لا يكمن فقط فى تحسين الإنتاج، بل فى استصلاح أراضٍ جديدة صالحة لزراعة القمح.
وأشار إلى أن الزيادة السكانية المتسارعة تفرض ضرورة مضاعفة الإنتاج، ما يتطلب التوسع الأفقى فى الرقعة الزراعية، بالتوازى مع التوسع الرأسى عبر تحسين التقاوى ورفع كفاءة الإنتاج، لضمان مستقبل آمن للغذاء فى مصر.
