«وحيد حامد» و «داود عبدالسيد» رحلا عن عالم السينما المصرية ولكنهما مازالا بيننا بما قدماه من أعمال خالدة عكست ليس فقط واقعاً حزيناً نعيشه أو مراحل إنتقالية فى حياتنا السياسية والاجتماعية ولكن كان لكل منهما مدرسة فنية وقضية حيوية ومواقف فكرية تسيطر على أعمالهما… «وحيد حامد» كاتب ووسيناريست صور أزمة المجتمع المصرى وتحولاته السياسية المفاجئة وتغيرات البنية المجتمعية والتركيبية الطبقية بعد السياسات الاقتصادية والدينية فى الثمانينيات والتسعينيات وظهور ما يسمى المرحلة النفطية، والتى أفرزت مجتمعاً يتلاعب فيه الكبار بعضهم البعض ويستولون على السلطة وعلى العقول مرة باسم السياسة والولاء ومرة أخرى تحت غطاء الدين والورع والإيمان الذى أدى إلى التطرف والإرهاب المحلى والدولى..
أعمال وحيد حامد تنوعت بين السلطة وتداخلها مع المال والدين فيما يسمى المال السياسى لرجال الأعمال والجماعات الدينية؛ وتبلورت تلك القضايا من خلال أعمال هامة وهادفة وخالدة مثل «طيور الظلام «و«اللعب مع الكبار ««والبريء «و «النوم فى العسل «…أما فى الدراما فقد قدم مسلسل «العائلة» بكل ما يحمله العمل من تنوع طبقى وفكرى وقفزات مادية واجتماعية لبعض الطبقات على حساب الطبقة الوسطى التى تحافظ على السلم والأمن الاجتماعى وهى ذات التيمة التى طورها وطرحها الكاتب «علاء الأسوانى «فى فيلمه الشهير عن ذات الرواية «عمارة يعقوبيان» ولا ننسى فيلم «كشف المستور» وسيناريو وحوار «الراقصة والسياسى» لإحسان عبدالقدوس وقد بلور حقيقة مكيافيلية العمل السياسى وترابطه العبثى مع الرقص ودور كل منهما فى التأثير والتلاعب بالمشاعر وتوجيه الرأى العام لصالح أهداف مادية وسياسية …
لم يكن «وحيد حامد» ليزدهر ويسطع نجمه الفنى ككاتب سينمائى ودرامى محترف إلا لو كان هناك مناخ إبداع من الحرية يسمح بهذا الكشف وتلك المصارحة وهذا الطرح الجريء سواء فى الموضوع أو الحوار أو القضية او رسم الشخصيات.. مثله كان «داود عبدالسيد» المخرج والسيناريست الذى يعد امتداداً لمسيرة الكبير «صلاح أبوسيف» والمبدع «عاطف الطيب» وإن كان توجهه مختلفاً ليناسب المرحلة التى بدأ منها إبداعه فى أواخر السبعينيات حتى بداية الألفية الجديدة فكانت تلك الواقعية السوداء وليست تلك الواقعية الممزوجة بالخيال والأحلام والفانتازيا مثل كتاب أمريكا اللاتينية.. فإذا «بداود عبدالسيد» يقدم رائعته «الكيت كات» و«أرض الخوف» و«أرض الأحلام» وهى اعمال ساحرة تتجاوز حدود الواقع القبيح لتحلق فى فضاء ألا معقول والا ممكن وإن كانت ما زالت مرتبطة بجذورها الواقعية فى أرض الخوف والحلم وفقدان البصر دون البصيرة؛ معظم الشخصيات عن داود وإن كانت عاجزة فى مرحلة ما إلا أنها تملك خيالاً ساحراً يضيء ظلمات واقعها السوداوى المزاج والتكوين
«داود عبدالسيد» لم يستمع إلى نداء النداهة أى الدراما التلفزيونية وظل وفياً لمحبوبته الأولى والأخيرة ألا وهى السينما وذلك الفن الذى يستطيع أن يرصد الحياة وفى ذات الوقت يغيرها ويلونها بألوان متعددة فليست السينما مثل الدراما حدوتة وقصة وإنما هى صورة بصرية وومضات إبداعية وحوارات درامية لشخصيات مؤثرة نافذة حية فى إطار خيالى مبهر التقنيات عبر حركة الكاميرا وجدلية وشاعرية الحوار فى سماء من الحرية وفضاء من براح، ومساحات متتالية لصراعات الرؤى وتناقض الافكار...» وحيد حامد» كان حرفى الكتابة والسيناريو سواء للسينما أو التلفزيون، و«داود عبدالسيد» كان مخرجاً وكاتب سيناريو ذو طابع واقعى سحرى سوداوى الإطار كثيف المحتوى…. لكن ما يحزن ويثير الريبة والتساؤل لماذا تراجعت السينما المصرية فى الكتابة والإخراج فلم تعد هناك قضية حقيقية تؤرق الكتاب والمخرجين وتملك أدوات الفن والتقنيات الحديثة فى ذات السياق... هل تعانى الحركة الإبداعية من حالة ركود وخواء وتكرار وفراغ بسبب أم لأسباب لا يمكن معالجتها وتجاوزها إلا بالمواجهة والصراحة والنزاهة وقبل كل شيء الحرية المسئولة والإبداع الحر.