رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

أمريكا تعيد رسم موازين القوة

ضربة فنزويلا تهز روسيا والصين وإيران

بوابة الوفد الإلكترونية

وصفت صحيفة التليجراف البريطانية العملية العسكرية الامريكية فى فنزويلا بأنها مشهد سينمائى أشبه بما تعرضه نتفليكس، حيث تمكنت الولايات المتحدة من تنفيذ عملية دقيقة ألقت خلالها القبض على الرئيس الفنزويلى نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس ونقلتهما خارج البلاد، ما صدم المراقبين. وقد نجح ترامب فى مفاجأة خصومه بمساعدة عنصر واحد على الأقل من الدائرة المقربة لمادورو، لتنفيذ عملية شبيهة بعمليات الموساد الإسرائيلى.

الأثر الأكثر وضوحا كان على موسكو وبكين الداعمتين الرئيسيتين لمادورو، إذ أثار القصف الامريكى قلقا حول قدرة الولايات المتحدة على تحييد حلفائها فى نصف الكرة الغربى بسهولة غير متوقعة. وذكرت مصادر أن الرئيس الروسى فلاديمير بوتين شعر بقلق مماثل لما شعر به خلال متابعة عملية قتل معمر القذافى عام 2011، خشية أن يكون مصير مادورو مماثلا.

نفط فنزويلا فى قلب التدخل الامريكى

أكد الرئيس الامريكى دونالد ترامب خلال مؤتمر صحفى أن الولايات المتحدة ستعمل على إعادة إحياء صناعة النفط الفنزويلية، التى تمتلك احتياطيات ضخمة تبلغ 303 مليارات برميل، لتصبح محركا اقتصاديا جديدا ورافعة للاستثمارات الامريكية. وأوضح أن إدارته تعتزم إشراك شركات النفط الكبرى لضخ مليارات الدولارات فى إعادة تأهيل البنية التحتية المتهالكة، خصوصا النفطية، وتحقيق عوائد مالية كبيرة.

تمتلك فنزويلا أكبر احتياطى نفطى مؤكد فى العالم، متقدمة على السعودية وكندا، إلا أن الإنتاج اليومى يبلغ نحو مليون برميل فقط، أى حوالى واحد فى المئة من الإنتاج العالمى، وجزء كبير من النفط ثقيل جداً، ما يجعل استخراجه ومعالجته مكلفا، إلى جانب تدهور الحقول والبنية التحتية وانقطاعات الكهرباء وسرقة المعدات.

وتعانى شركة النفط الوطنية PDVSA من نقص حاد فى رأس المال والخبرة الفنية، ما يعيق زيادة الإنتاج، ورغم بعض التعافى المحدود، يظل الإنتاج بعيداً عن مستويات تجاوزت مليونى برميل يوميا فى العقد الأول من القرن الحالى. كما فرضت الولايات المتحدة عقوبات على القطاع، ما دفع معظم الصادرات إلى الصين.

وقال ريتشارد برونز، رئيس قسم الجغرافيا السياسية فى شركة انرجى اسبيكتس، إن زيادة الإنتاج لن تكون رخيصة، موضحا أن إضافة 500 ألف برميل يوميا ستتطلب نحو 10 مليارات دولار واستثمارات لمدة عامين، بينما قد تتطلب الزيادات الأكبر عشرات المليارات على مدى سنوات. وأشارت هيليما كروفت من بنك آر بى سى كابيتال ماركتس إلى أن ضغوط ترامب قد تجبر الشركات الامريكية على لعب دور شبه حكومى فى بناء القدرات والتنمية، محذرة من صعوبة تقليص النفوذ العسكرى فى قطاع النفط والاقتصاد فى ظل بيئة سياسية وأمنية فوضوية.

ومن المرجح أن يثير التدخل الأمريكى قلقا فى أسواق النفط العالمية، لكن المحللين لا يتوقعون قفزات حادة فى الأسعار على المدى الفورى، فيما يبقى نفط فنزويلا محوراً استراتيجياً للتنافس العالمى وقد يؤثر على قدرة الولايات المتحدة فى مواجهة النفوذ الصينى والروسى.

الأبعاد الاستراتيجية والإقليمية

يشير التحليل إلى أن القلق الروسى والصينى قد يكون محدودا، إذ يرى بعض الخبراء أن ترامب يركز على الهيمنة الاقليمية أكثر من المواجهة العالمية، وأن ظهوره القوى فى نصف الكرة الغربى لا يعنى استعدادا لمواجهة خصومه فى أوكرانيا أو حول تايوان. اعتمدت إدارة ترامب سياسة «أمريكا أولا» لتعزيز النفوذ فى مناطق النفوذ التقليدية، ما يجعل اعتقال مادورو جزءا من خطة للهيمنة الاقليمية مع تقليص التدخل المباشر عالميا. ومنذ عودته للسلطة، عمل ترامب على إعادة تأكيد مبدأ مونرو لعام 1823، محذرا القوى الخارجية من التدخل فى نصف الكرة الغربى، وذهب أبعد من ذلك بادعاء أن كندا ولاية أمريكية، وأعاد تسمية خليج المكسيك بخليج أميركا، مطالبا بتسليم جرينلاند للولايات المتحدة، معتبر السيطرة على الأمريكيتين أولوية استراتيجية.

على الصعيد الداخلى، أعطت العملية ترامب مكاسب شعبية كبيرة وعززت صورته كمتشدد فى الأمن والهجرة ومكافحة تهريب المخدرات أمام ناخبيه فى جنوب فلوريدا، لكنها أثارت مخاوف فى أمريكا الجنوبية من عودة التدخلات العسكرية، فيما يواجه خصوم واشنطن التقليديون مثل كوبا ونيكاراغوا مستقبلا محفوفا بالمخاطر.

انعكاسات على روسيا والصين وإيران

فقدان الوصول إلى النفط الفنزويلى يضر بمصالح روسيا والصين، حيث تمتلك الشركات الروسية حصصا كبيرة فى الحقول النفطية، وتعد الصين أكبر دائن لفنزويلا. ومع ذلك، قد تستفيد موسكو وبكين سياسيا من استياء أمريكا الجنوبية لتبرير سياساتهما الإقليمية، كما فى عدوان روسيا على أوكرانيا. وتمثل العملية الأمريكية سابقة جديدة للصين لاستخدام القوة العسكرية لتغيير النظام فى جوار الولايات المتحدة، ما يزيد المخاوف فى تأيبيه من تطورات مماثلة فى آسيا.

أما إيران، فترى سقوط مادورو ضربة لحليف استراتيجى، إذ كانت فنزويلا أحد أقرب حلفائها خلال السنوات الأخيرة، مع مشاريع اقتصادية ونفطية مشتركة منذ عهد محمود أحمدى نجاد وهوغو تشافيز، واستثمارات بمليارات الدولارات من جهات مرتبطة بالحرس الثورى. ومع سقوط حكومة مادورو يكتنف الغموض مصير هذه الاستثمارات والمطالبات المالية الإيرانية، خاصة فى وقت تواجه فيه إيران أزمة اقتصادية حادة.

تأتى هذه التطورات مع تصاعد الاحتجاجات الشعبية فى إيران، ما يعكس ارتباطا سياسيا بين سقوط حليف استراتيجى فى أمريكا اللاتينية وتصاعد الاضطرابات الداخلية فى إيران. وعاد خامنئى لتمييز المعترضين عن مثيرى الشغب، محذرا من أنه لن يتراجع أمام محاولات إسقاط النظام، بينما اعتبر محللون سقوط مادورو دليلا على هشاشة الحلفاء الإقليميين وتأثير الضغوط الخارجية على استقرار الأنظمة المدعومة من روسيا وإيران.

ورغم اعتماد إيران على روسيا فى الطاقة والتعاون العسكرى والملف النووى، يرى بعض الخبراء أن الاتفاقات الاستراتيجية ليست دائمة، وقد تتحول إيران إلى ورقة قابلة للتخلى عنها إذا تغيرت موازين المصالح. وتعتمد الصين نهجا براغماتيا مشابها، معتبرة إيران ورقة جيوسياسية ومصدر طاقة بأسعار منخفضة، مع تجنب مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة وحلفائها.

سقوط أنظمة مثل فنزويلا وسوريا يثير تساؤلات حول ما إذا كانت نتيجة ظروف داخلية لكل دولة أم مؤشرا على تغيير نهج القوى الكبرى تجاه حلفائها المتشددين. ويعيش المجتمع الإيرانى اليوم حالة مزدوجة من حساسية تجاه عدم الاستقرار وانعدام الأمن، ومواجهة سلطة عاجزة عن تلبية المطالب الاقتصادية، ما يجعل أى صدمة محتملة قابلة لإشعال احتجاجات جديدة، كما حدث فى فنزويلا.