روى قديمًا فى كتب الأثر، أن سيدنا يوسف عليه السلام، أول من قام بعمل مقياس للنيل، لربط منسوبه بموسم الفيضان، بَدْءًا من زيادته حتى نهاية نقصانه، مع قوة اندفاعه، من خلال عملية حسابية فى معناها المادى، يتوافر فيها شرط الصلاحية العلمية، التى تؤهله للقيام بحفظ الغلال والحبوب وتخزينها، حتى لا تتلف أو تفسد أو يصيبها العطب وتهلك، لكى يتمكن من حساب سَبْعٍ سِّنِينَ عِجافِ، لمواجهة الجفاف والقحط وسوء الأحوال من ندرة الغذاء، وتجنبا لقسوة هذه الظروف، طلب من ربه الولاة على خزائن الأرض لقوله تعالى: «قَالَ اجْعَلْنِى عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ» الآية رقم (55) من سورة يوسف، ثم إن ماء النيل الطهور، قد حمل الجسد الطاهر لنبى الله وكليمه موسى عليه السلام، وهو طفل رضيع بعد الإلهام الذى أوحاه الله إلى أمه، وشرح صدرها من فيضه الكريم، على أن تضع هذا الرضيع فى صندوق وتلقيه فى النيل، مطمئنة إليه دون خوف عليه، من أن يلحقه ضرر أو أذى، وحِمايةً له من بطش فرعون الذى كان يأمر قومه، بذبح كل مولود ذَكر يولد من بنى إسرائيل، خَشْيَةَ أَنْ يسلب منه ملكه أو يهلكه، فيكون النيل هو مصدر غوث ونجاة لسيدنا موسى، من خوف بطش عدو غادر به.
ومن مقاس سيدنا يوسف للنيل.. إلى قدسية مائه فى نجاة سيدنا موسى، وأن نهر النيل حياة وجود بالنسبة للمصريين، من الأدلة المادية المشتقة من القرآن الكريم، وإلى صلاح حال الأمة بتقوى الأمناء القائمين عليها، فى تكريس حق مصر المائى من مياه النيل، كثيرًا ما أفصح سيادة الرئيس عبد السيسى وتحدث علنًا، عن عدم المساس بحقوق مصر التاريخية فى مياهه، وهذا ما أوضحه سيادته أمام المؤتمر الوزارى الثانى لمنتدى الشراكة «روسيا ـ إفريقيا»، الذى استضافته القاهرة مطلع السبت من الأسبوع الماضى، وهذه الأحاديث تحمل فى ثَنَايَاها الطابع الإلزامى للاتفاقيات التاريخية، التى وقعتها دول الحوض، والتى تضمن لمصر حقها التاريخى والثابت فى مياه النيل، وتكرس اتفاقية عام 1929 هذا الحق، والتى تتضمن بنودها نصوصًا قانونية، تنظم الحصص المائية بين مصر ودول الهضبة الاستوائية لقارة إفريقيا، التى كانت تقع تحت نير الاحتلال الإنجليزى فى ذلك الوقت، وهذه الدول هى «أوغندا وتنزانيا وكينيا»، وبما أنها كانت دولًا منقوصة السيادة جراء خضوعها للاحتلال، إلا أن حكومة مصر الملكية، قد وقعت على هذه الاتفاقية المذكورة آنفا، وفى المقابل قد وقع المندوب السامى البريطانى نيابة عن بلاده، وعن دول مجرى مياه النيل، وهذه الاتفاقية يوجد بها بنود جوهرية، حول ضمان حقوق مصر التاريخية المقررة والمكتسبة من مياه النيل، وقد أقرت الحكومة المصرية بحق السودان المصرى بحصته فيه أَيضًا، ثم أن هذه الاتفاقية قد منحت مصر حق «Alfyto» الاعتراض، على إقامة أى منشآت أو مشروعات على النيل الأزرق، تعوق وصول حصة مصر أو تنقص منها، وتعتبر هذه البنود الأسمى تاريخيًّا وقَانُونيا، لسد الطريق على كل من يريد العبث بسلامة أمن مصر المائى، ومن نافلة القول كانت الدول الاستعمارية المتمثلة فى إنجلترا وإيطاليا، قد وقعا اتفاقًا تاريخيًّا عام 1891 بمقتضاه تتعهد الأخيرة بعدم إقامة مشاريع تنموية أو سدود، على نهر عطبرة تعوق تدفق المياه إلى مصر، بل إن نفس الأمر من بنود الاتفاقية السابقة، قد تشابه مع كتابة بنود اتفاقية عام 1902، بين الدولتين ولكن زاد عليهم طرف ثالث إثيوبيا، حيث أن الأخيرة كانت مستعمرة إيطالية.
وتعد اتفاقية تقسيم المياه بين مصر والسودان عام 1959، امتدادًا واستكمالًا لاحقًا لاتفاقية عام 1929، بالضوابط القانونية المنظمة لها، وأن التطور التاريخى فى العلاقات بين الأشقاء، وتبادل المنافع المادية والاقتصادية بينهم، قد ساهم فى دفع عجلة التنمية بين البلدين، خصوصًا بعد تحرر السودان من الاحتلال الإنجليزى، وانطلاقًا لنهج مصر لسياسة التصنيع عام 1957، كانت فى أشد الحاجة لبناء مشروع السد العالى، لتوليد القوى الكهربائية وإن توفيرها يعتبر مطلبًا ضروريًا لإقامة المصانع، لأنها القوى المحركة والمغذية لها، ومن أجل تعميم التصنيع وإصلاح المزيد من الأراضى الزراعية لحكومة الثورة، تقاسم الشقيقان الحصص فى مياه النيل، حيث نصت الاتفاقية الموقعة بينهما، على أن تكون حصة مصر من المياه 48 مليار متر مكعب، وللسودان الشقيق 8 مليارات متر مكعب، وقد ساهمت مصر فى بناء خزان الروصيرص على النيل الأزرق، لكى تتوسع السودان فى مشاريع الرى وزيادة الرقعة الزراعية وتوليد الطاقة الكهربائية، ليعم الخير العام على الشعب السودانى كله، وللحديث بقية فى المقال القادم إن شاء الله.