رسوم ترامب ترسم ملامح الاقتصاد الأميركي في 2026
في عامٍ تداخلت فيه السياسة بالاقتصاد على نحو غير مسبوق، تصدّرت الرسوم الجمركية – أو ما اصطلح على تسميته “يوم التحرير” مشهد الاضطراب الاقتصادي في الولايات المتحدة والعالم. بدا الاقتصاد الأميركي وكأنه يتحرك على حافة عدم اليقين؛ إذ لم تعد المؤشرات الكلية كافية لتفسير ما يجري، كما أخفق الخطاب السياسي في تهدئة مخاوف الأميركيين والأسواقـ، وبين قرارات سريعة وتداعيات لم تتكشف بالكامل، تشكّل مشهد اقتصادي معقّد اتسم بمفارقات حادة: تفاؤل رسمي مرتفع السقف في مواجهة حذر عميق لدى الشركات والمستهلكين، واستثمارات ضخمة في المستقبل التكنولوجي تتزامن مع ضغوط معيشية يومية متزايدة.
ومع دخول 2026، يفرض سؤال نفسه: هل تشهد الولايات المتحدة مخاض تحوّل اقتصادي جديد، أم أنها تمر بمرحلة اضطراب ستخلّف آثاراً ممتدة على النمو والاستقرار؟
ملامح الاضطراب في 2025
1- الرسوم الجمركية والتضخم:
كانت الرسوم الجمركية عنوان الاضطراب الأبرز خلال 2025، ليس داخل أميركا فحسب بل على مستوى الاقتصاد العالمي، بعدما شكّلت سياسات الإدارة الأميركية قطيعة مع عقود من تحرير التجارة. ومع فرض «الرسوم المتبادلة» ورسوم إضافية مرتبطة بقضية «الفنتانيل» على واردات من كندا والصين والمكسيك، بلغت الحماية التجارية مستويات غير مسبوقة منذ عقود.
ووفق بيانات البنك الدولي، ارتفع متوسط الرسوم الجمركية إلى 15.8% مقارنة بـ1.5% في 2022، بينما قدّر مختبر موازنة جامعة ييل وصوله إلى نحو 17% بنهاية 2025، مولّداً إيرادات شهرية تقارب 30 مليار دولار. إلا أن الكلفة الاقتصادية بدت واضحة؛ إذ رفعت الرسوم تكاليف سلاسل التوريد، وانتقل نحو 40–50% من أعبائها إلى المستهلكين، ما أضاف 0.4–0.5 نقطة مئوية إلى التضخم الأساسي، وزاد أعباء المعيشة بنحو 1100 دولار سنوياً للأسرة الواحدة.
ورغم تحصيل 235 مليار دولار من الرسوم منذ بداية العام، جاءت الإيرادات دون التوقعات البالغة 300 مليار دولار. ومع ذلك، ترى الإدارة أن الأثر أقل حدّة مما كان يُخشى. وبقي التضخم تحدياً رئيسياً، رغم تباطؤ مؤشر أسعار المستهلكين إلى 2.7% في نوفمبر، إذ عُدّ هذا التراجع مؤقتاً في ظل استمرار الضغوط الأساسية المرتبطة بالرسوم.
2- الإغلاق الحكومي وتقلبات النمو:
زاد الإغلاق الحكومي الذي استمر 43 يوماً في 2025 من تعقيد المشهد. فعلى المدى القصير، تراجع إنفاق المستهلكين وتدهورت المعنويات إلى مستويات قريبة من فترة الجائحة، مع انكماش النشاط السياحي. وعلى المدى الطويل، قدّرت جهات غير حزبية خسارة الناتج المحلي بين 7 و14 مليار دولار نتيجة الإنتاجية المفقودة، إلى جانب تآكل الثقة الدولية بالاقتصاد الأميركي، وتأثر الفئات ذات الدخل المنخفض والولايات التي تضم أعداداً كبيرة من الموظفين الفيدراليين.
أما النمو، فشهد تقلبات لافتة؛ إذ انكمش الاقتصاد 0.6% في الربع الأول بفعل زيادة الواردات وتخزين السلع قبل الرسوم، ثم عاد بقوة في الربعين الثاني والثالث مسجلاً نمواً سنوياً بلغ 3.8% و4.3% على التوالي، بدعم من الإنفاق الاستهلاكي والصادرات والإنفاق الحكومي.
3- سوق عمل هش:
رغم تماسكه الظاهري، كشف سوق العمل عن هشاشة متزايدة. فقد أضاف الاقتصاد 64 ألف وظيفة في نوفمبر، لكنه خسر 105 آلاف وظيفة في أكتوبر، في ثالث تراجع خلال ستة أشهر. وبلغ متوسط نمو الوظائف نحو 50 ألفاً شهرياً، بينما ارتفع معدل البطالة إلى 4.6%، الأعلى منذ منتصف 2021. وعلى المستوى الهيكلي، أسهم تشديد سياسات الهجرة وتسارع التقاعد في خروج نحو 3 ملايين عامل من قوة العمل منذ 2024، ما خلق نقصاً مصطنعاً في العمالة، مع تركز النمو الوظيفي في قطاعات محدودة.
4- السياسات النقدية والمالية:
بعد عام من تثبيت الفائدة، بدأ «الاحتياطي الفيدرالي» خفضها في سبتمبر وأكتوبر وديسمبر، استجابة لتزايد عدم اليقين. وتزامن ذلك مع توتر علني بين الرئيس دونالد ترمب ورئيس الفيدرالي جيروم باول حول استقلالية السياسة النقدية، في وقت تراجع فيه مؤشر الدولار بنحو 10% خلال العام، مسجلاً أكبر هبوط سنوي منذ 2017، وسط توقعات باستمرار ضعفه مع تقلص فروق الفائدة والمخاوف المالية.
5- الذكاء الاصطناعي… محرك النمو:
وسط الاضطراب، برز الذكاء الاصطناعي كأحد أكثر القطاعات صموداً. فقد تضاعفت استثمارات مراكز البيانات منذ 2021، لتشكّل ربع الاستثمارات في الهياكل بحلول 2024، وأسهمت النفقات المرتبطة به بـ1.1 نقطة مئوية في نمو الناتج المحلي خلال النصف الأول من 2025. غير أن تحدي الإنتاجية لا يزال قائماً، إذ تشير البيانات إلى أن 95% من الشركات لم تجنِ بعد عوائد ملموسة من هذه الاستثمارات.
سيناريو 2026: ركود تضخمي خفيف؟
يتوقع خبراء أن يواجه الاقتصاد الأميركي «ركوداً تضخمياً خفيفاً» في 2026، مع تباطؤ النمو إلى أقل من 2% بفعل ضعف التوظيف وضغوط الرسوم. وتتراوح التوقعات بين 2.2% و2.6%، مدعومة بخفض الضرائب وتيسير الأوضاع المالية. في المقابل، يُرجّح بقاء التضخم الأساسي فوق 3% معظم العام، مع بلوغ البطالة ذروتها قرب 4.5%.
هل تقترب أميركا من «عصر ذهبي»؟
مع إسدال الستار على 2025، تراهن الإدارة الأميركية على قدرة الاقتصاد على تغيير المسار وتحقيق قفزة نوعية، مدفوعة بتشريعات ضخمة يُنظر إليها بوصفها محفزاً رئيسياً للاستثمار وتحسين أوضاع الأسر. غير أن هذا التفاؤل يصطدم بتشكيك واسع في الأوساط الاقتصادية المستقلة، التي ترى أن تداخل الرسوم المرتفعة مع هشاشة سوق العمل قد يحدّ من أثر المحفزات. وبين التفاؤل الرسمي والحذر المهني، يبقى الاقتصاد الأميركي عند مفترق طرق، تتجاذبه وعود «الطفرة الكبرى» ومخاطر اضطراب طويل الأمد.
- إرث الحمائية
- الاقتصاد الأميركي في 2026
- الاقتصاد الأميركي
- رسوم ترمب رسم ملامح الاقتصاد الأميركي في 2026
- 1- الرسوم الجمركية والتضخم
- ملامح الاضطراب في 2025
- 3- سوق عمل هش
- 2- الإغلاق الحكومي وتقلبات النمو
- 4- السياسات النقدية والمالية
- 5- الذكاء الاصطناعي… محرك النمو
- الذكاء الاصطناعي
- هل تقترب أميركا من عصر ذهبي
- عوائد ملموسة
- الاقتصادية المستقلة
- عصر ذهبي

