بعد قرار فرنسا
أستاذ طب نفسي لـ"الوفد": تنظيم استخدام السوشيال ميديا للأطفال أنسب من الحظر الكامل
أعلنت الحكومة الفرنسية عزمها حظر استخدام مواقع التواصل الاجتماعي للأطفال دون سن 15 عامًا بدءًا من العام الحالي 2026، في خطوة تهدف إلى الحد من الأضرار النفسية والاجتماعية الناتجة عن الاستخدام المفرط للسوشيال ميديا.

وأثار القرار جدلًا واسعًا في عدد من الدول، من بينها مصر، حيث فتح باب التساؤلات حول مدى إمكان تطبيق مثل هذا الحظر في المجتمع المصري، وتأثيره المحتمل على الصحة النفسية للأطفال والمراهقين، وما إذا كان يمثل حماية حقيقية، أم قد يفرز تحديات نفسية واجتماعية جديدة.
وفي هذا الصدد أكد الدكتور محمد المهدى، أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر في تصريحاته لـ"الوفد" أن مخاطر سوء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بين الأطفال والمراهقين أصبحت واقعًا لا يمكن إنكاره، مشيرًا إلى أن عددًا كبيرًا من الأطفال تعرضوا لأذى نفسي وسلوكي نتيجة الإهمال أو الاستخدام غير المنضبط للسوشيال ميديا، ما يفرض على المجتمعات البحث عن حلول حقيقية لحمايتهم.
وأوضح الخبير أن الأطفال، خصوصًا في المراحل العمرية المبكرة، لا يمتلكون القدرة الكافية على وضع حدود للاستخدام أو إدراك المخاطر، إذ تجذبهم هذه الوسائل دون تفكير في آثارها السلبية، وهو ما يجعلهم أكثر عرضة للخطر، لافتًا إلى أن المخ في هذه المرحلة لا يزال في طور التشكل، وأن تشكله تحت تأثير الاستخدام المكثف للسوشيال ميديا قد يؤدي إلى اضطراب في المسارات العصبية وتشوه في آليات الانتباه والتنظيم النفسي.
وفي الوقت نفسه، أشار الخبير إلى أن فكرة الحظر الكامل قد لا تكون عملية أو قابلة للتطبيق، في ظل انتشار الهواتف المحمولة في كل مكان، سواء مع الأب أو الأم أو الطفل نفسه، متسائلًا عن آليات التنفيذ والرقابة، ومؤكدًا أن المنع الصارم قد يؤدي إلى صراعات حادة داخل الأسرة.
وأضاف، أن حرمان الأطفال أو المراهقين بشكل كامل من وسائل يعتبرونها مصدرًا أساسيًا للمتعة وقضاء الوقت قد يدفع بعضهم إلى نوبات عنف شديد أو سلوكيات عدوانية، خصوصًا لدى من وصلوا بالفعل إلى مراحل متقدمة من التعلق أو الإدمان الرقمي.

وشدد الخبير على أن الحل الأكثر فاعلية يتمثل في التنظيم والتوجيه بدلًا من الحظر، من خلال رفع مستوى الوعي الرقمي لدى الأطفال والمراهقين، مقترحًا إدخال مادة “التربية الرقمية” ضمن المناهج الدراسية، بدءًا من المرحلة الإعدادية وحتى الثانوية، على غرار مواد التربية الدينية والوطنية.
وأوضح، أن هذه المادة يجب أن تعرف الطلاب بأهمية العالم الرقمي وفوائده، وفي الوقت نفسه تحذرهم من مخاطره وآثاره الجانبية، وتعلمهم كيفية الاستفادة من منجزاته دون الوقوع في أضراره.
وأكد أهمية دور الأسرة في دعم هذا التوجه، من خلال تعزيز التواصل بين البيت والمدرسة، والمتابعة الواعية لسلوك الأبناء الرقمي، بما يسهم في الوقاية من الإدمان، دون أن يشعر الطفل أو المراهق بأنه محروم بالكامل أو في حالة صراع دائم مع أسرته.
واختتم الخبير حديثه بالتأكيد على أن حماية الأطفال نفسيًا لا تتحقق بالمنع المطلق، بل ببناء وعي حقيقي يوازن بين الاستخدام الآمن واحتياجات النمو النفسي والاجتماعي، ويمنح الطفل شعورًا بالاحتواء بدلًا من الحرمان.



