صور الرق والعبودية في التاريخ الإنساني
في يومٍ تتذكر فيه الإنسانية واحدة من أبشع صفحاتها حين كانت تتعامل مع الإنسان كسلعة تُباع وتُشترى، يبرز نور الإسلام كرسالة سماوية رحيمة أتت لا لتشارك في استعباد البشر، بل لتعلن ثورة شاملة على كل أشكال الاستعباد، سواء كانت مادية أو روحية.
الرق في التاريخ الإنساني
والإسلام لا يتعامل مع الرق كنظام اجتماعي فقط، بل يضعه في ميزان القيم الكبرى - الحرية، والكرامة، والتكريم الإلهي، وعمارة الأرض، والمسئولية الأخلاقية.
قبل بعثة سيدنا رسول الله - صلّى الله عليه وسَلّـم - كان الرق جزءًا من البنية الاقتصادية والاجتماعية في معظم الحضارات من الإغريق والرومان إلى الجاهلية العربية، يُباع الإنسان ويُشترى كسلعة، ولم يكن للعبد أي قيمة إنسانية، بل يُنظر إليه كأداة إنتاج لا أكثر.
موقف الإسلام من الرق ودعوته إلى تحرير العبيد
- الإسلام والتدرج الحكيم:
لم يأت الإسلام ليهدم المجتمع فجأة، بل أقرّ واقع الرق أولًا ثم بدأ بالتفكيك المنهجي له حيث جعل عتق الرقاب كفارة للذنوب، كما في كفارة القتل الخطأ، والظهار، واليمين، كما حثّ على العتق في كل مناسبة، فقال النبي - صلّى الله عليه وسَلّـم: «مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ» [أخرجه البخاري].
كما حرص الإسلام على سَنَّ التشريعات التي تصون كرامة العبد، فأمر بإطعامه مما يُطعم السيد، ونهى عن ضربه، وأعطاه الحق في (المكاتبة) - وهي طلب الحرية مقابل مال يدفعه.
- الرسول - صلّى الله عليه وسَلّـم - قدوة حسنة
فلقد أعتق النبي - صلّى الله عليه وآله وسَلّـم - العديد من الرقيق، منهم: زيد بن حارثة الذي تبناه، وصفية بنت حيي التي أعتقها وتزوجها، ثم صار على نهجه القويم في عتق الرقاب كثير من أصحابه الكرام، فذاك سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه أول من أعتق عبيدًا في الإسلام حيث أعتق بلال بن رباح وغيره ثم تتابع الأمر فصار الصحابة على هذا النهج القويم مما أدى إلى اختفاء هذه الظاهرة شيئًا فشيئًا حتى اختفت تمامًا من البلاد الإسلامية بفضل تعاليم الإسلام وتطبيقات نبي الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم .
صور مشرقة من جناب النبوة الأعظم -صلى الله عليه وآله وسلم.
- ما أروع المواقف النبوية التي تجلّت فيها الرحمة والعدالة، ومنها موقف حضرة النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - مع:- بلال بن رباح -رضي الله عنه-وهو العبد الحبشي الذي اختاره النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليكون مؤذنًا له، لذلك لم يكن عتق بلال مجرد حرية له بل نقله إلى أن يكون من أهم الأشخاص المقربين إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد اشتراه أبو بكر الصديق وحرره، فنقل الإسلام بلالًا من العبودية إلى مكانة عالية في التاريخ الإسلامي.
- زيد بن حارثة وهو الغلام الذي أهدي للنبي - صلّى الله عليه وسَلّـم - فحرره ثم تبناه قبل إبطال التبني فكان يدعى (زيد بن محمد) وقد تأثر زيد بهذه المعاملة الحسنة من نبي الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم مما جعله يؤثر البقاء مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسم على أبيه.
- أم عبيس وسمية وياسر: عبيد في مكة عُذِّبوا في سبيل الله، وكانوا من أوائل من آمنوا بدين الله تعالى، فرفعهم الإسلام إلى مرتبة الشهداء وأهل الجنة.
المحاور الاستراتيجية الدعوية الأربعة وعلاقتها بقضية الرق
- محور بناء الإنسان:
التحرير في الإسلام ليس لحظة عتق جسدي فقط، بل هو مشروع لبناء نفس سوية، حُرَّة الإرادة، سامية الفكر والآية القرآنية الكريمة {وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ} [الإسراء: من الآية ٧٠]، تعني أن كل إنسان – بغض النظر عن لونه أو أصله – هو كائن مكرَّم؛ لذلك جعل الإسلام عتق الرقبة من أعظم القُربات، وربطه بالتكفير عن الذنوب، لتتجذّر في وعي المسلم فكرة أن تحرير الآخرين طريق لتحرير نفسه هو وبذلك تتضح فكرة بناء إنسان مكرم.
- محور صناعة الحضارة:
الحضارات لا تبنى إلا على أكتاف الأحرار، فالرق يُعطّل المواهب، ويُطفئ الإبداع، ويُشعل الحقد الاجتماعي، فحين حطّم الإسلام نظام الرق كان يؤسس لـبنية حضارية تحترم الإنسان وتستثمر فيه، فخرج من المحررين فقهاء وعلماء ومجاهدين، وهذا ما يسميه العلامة الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري (التنمية الأخلاقية كحجر أساس للحضارة).
- محور التطرف الديني:
أعادت الجماعات المتطرفة – كداعش - الرق تحت غطاء (إحياء السنن المهجورة)، وهو تحريف وطمس لمقاصد الشريعة، حيث إن هذه الحقبة الزمنية التي يتمسك بها جماعات التطرف كانت لسبب التدرج في إصدار الحكم على مجتمع مملوء بأفكار العبودية والقبلية حتى كان مقسمًا إلى طبقة السادة والعبيد؛ لذلك راعى الشرع الشريف ظروف الواقع القديم وفتح أبوابًا كثيرة للعتق والتحرير، يتبين من ذلك أن الإبقاء على الرق كان تدرجًا لا غاية وأن نظرة هذه الجماعات لهذه القضية نظرة متطرفة لا أصل لها في ديننا الحنيف، وقراءة جامدة للنصوص بدون اعتبار للسياق والمقاصد.