معركة الدين العام تشتعل
الحكومة تبشر بالرخاء..الخبراء يشككون..المواطن ينتظر
أثارت التصريحات الأخيرة للدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، موجة من الجدل فى الأوساط الاقتصادية، بعد تأكيده أن الحكومة تعمل على خفض نسبة الدين العام إلى الناتج المحلى الإجمالى إلى مستوى تاريخى لم يتحقق منذ نحو خمسين عامًا، مشيرًا إلى أن تراجع أسعار الفائدة سيسهم فى خفض أعباء خدمة الدين، وأن إدارة هذا الملف تتم بشفافية كاملة، مع الحفاظ على استقرار الاقتصاد دون تحميل المواطنين أعباء إضافية.
تباينت آراء الخبراء الاقتصاديين حول مدى واقعية هذا الطرح، والآليات التى تستند إليها الحكومة لتحقيقه.
قال حسام الغايش، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسى والإحصاء والتشريع، إن تصريحات رئيس الوزراء تستند إلى مجموعة من الأسس الرئيسية التى تعكس رؤية اقتصادية شاملة، فى مقدمتها الإدارة الرشيدة للموارد المالية، حيث جرى توجيه القروض إلى مشروعات بنية تحتية استراتيجية، مثل الطرق والكبارى ومحطات الكهرباء، بما يحقق عوائد اقتصادية طويلة الأجل عبر زيادة الإنتاجية وتوفير فرص العمل.
وأضاف أن الإصلاحات الهيكلية لعبت دورًا مهمًا فى تعزيز الإيرادات غير الضريبية، وهو ما أسهم فى تحسين هيكل الموازنة العامة، فضلًا عن الاستقرار النقدى النسبي، وتراجع معدلات التضخم، ونمو الناتج المحلى الإجمالي.
وأشار «الغايش» إلى أن خفض عجز الموازنة والمديونية يمكن تحقيقه عبر عدة مسارات، من بينها تعظيم الإيرادات غير الضريبية من خلال تطوير الموانئ والمطارات ومشروعات الطاقة المتجددة، وإعادة هيكلة الديون عبر إطالة آجال السداد وخفض الفوائد، إلى جانب دعم القطاع الخاص لتحفيز النمو الاقتصادى وزيادة الحصيلة الضريبية من الأرباح، مؤكدًا أن هذه الإجراءات تسهم فى تعزيز الثقة بالاقتصاد وتقليل الاعتماد على الاقتراض الجديد.
وأوضح أن خفض الدين ينعكس إيجابًا على المواطن، من خلال إتاحة موارد إضافية يمكن توجيهها لتحسين الخدمات الأساسية.
فى المقابل، أعرب الدكتور عبد النبى عبدالمطلب، الخبير الاقتصادي، عن تشككه فى قدرة الحكومة على تحقيق خفض حقيقى للديون، مؤكدًا أن خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلى ممارسة شائعة عالميًا، لكنها لم تنجح بشكل كافٍ فى كثير من الدول، لافتًا إلى أن خدمات الدين فى مصر تجاوزت إيرادات الموازنة، وهو ما يحد من قدرة الحكومة على المناورة.
وأشار «عبدالمطلب» إلى وجود مطالبات متكررة داخل الحوار الوطنى بإصدار تشريع يحدد سقفًا أقصى للدين العام المحلى والخارجي، إلا أن هذه الخطوة لم تُتخذ بعد، مرجحًا أن تكون لدى الحكومة أدوات جديدة لم تُعلن عنها حتى الآن.
وأكد أن تقليص عجز الموازنة يتطلب إجراءات صارمة، تشمل ضغط الإنفاق الحكومي، والقضاء على الهدر والفساد، خاصة فى منظومات الدعم والسلع التموينية، إلى جانب تعظيم الإيرادات من خلال مكافحة التهرب الضريبي، وتحصيل مستحقات الدولة من أراضيها، وتفعيل منظومتى الضرائب والجمارك بكفاءة، فضلًا عن جذب استثمارات أجنبية مباشرة حقيقية قائمة على الإنتاج، وإمكانية تحويل جزء من الديون إلى استثمارات.
واختتم «عبدالمطلب» حديثه بالتأكيد على أن الدول منخفضة المديونية تكون أكثر قدرة على تحقيق فوائض مالية، يعاد توجيهها إلى الاستثمار والتنمية، بما يؤدى إلى زيادة النمو وفرص العمل، وتحسين مستوى معيشة المواطنين، وهو الهدف النهائى لأى سياسة اقتصادية ناجحة.