الروايات التى هاجرت بهدوء
مترجمون يترجلون وحدهم بين لغتين
تعرفتُ إلى الأدب الرومانى أول مرة عبر ترجمة خجولة، شعرتُ معها أن النص يتقدم نحوى بتردد، كغريب لا يعرف إن كان مرحبًا به أم لا. ثم اكتشفت أن هذا التردد ليس ضعف النص، بل وعورة الطريق. فالرومانية لغة تنبض بالأسطورة الريفية، بالمرارة التاريخية، وبسخرية سوداء لا تُفصح عن نفسها بسهولة. والعربية لغة ذات ذاكرة بلاغية كثيفة، لا تقبل الضيف إلا إذا أعاد ترتيب نفسه وفق إيقاعها الداخلى. بين هاتين اللغتين يقف المترجم وحيدًا، بلا شبكة أمان.أفكر كثيرًا فى المترجمين الذين اختاروا هذا الطريق الصعب. أولئك الذين لم تغرهم اللغات الرائجة، وفضّلوا أن ينصتوا إلى أدب يأتى من الهامش الأوروبى.
من هؤلاء يطل اسم «جورج غريغور»، لا بوصفه مترجمًا فحسب، بل بوصفه كائنًا يعيش بين الرومانية والعربية. حين أقرأ ترجماته من الرومانية إلى العربية، أشعر أن النص لم يُنقل، بل أُعيدت كتابته بحسّ يعرف متى يصمت ومتى يغامر. فى ترجماته لأعمال «مارين سوريسكو» مثلًا، أو فى المختارات الشعرية الرومانية التى نقلها إلى العربية، لا أجد حرصًا لغويًا باردًا، بل شغفًا حقيقيًا بأن يصل الصوت الرومانى إلى القارئ العربى دون أن يفقد بُحّته الأصلية. لكن روايات «مارين بريدَا» كانت من أوائل ما لفتنى. ففى ترجمة «الأكثر حظًا بين الأرضيين» بدا الريف الرومانى قريبًا على نحو مدهش من ريفنا، كأن الفقر والخوف والسلطة تتكلم لهجة واحدة مهما اختلفت اللغات. أما «مارين سوريسكو»، فقد وصلنى ساخرًا وموجعًا فى آن، فى نصوص روائية ومسرحية ترجمت إلى العربية بروح تعرف أن السخرية ليست ضحكًا، بل طريقة للبقاء. وحين قرأت أعمال «ميرتشا إلياده» المترجمة، خاصة نصوصه السردية ذات الطابع الفلسفى، شعرت أن الأسطورة ليست حكرًا على ثقافة دون أخرى، وأن القلق الوجودى لغة الكون.
الرواية الرومانية المترجمة إلى العربية قليلة، كأنها رسائل نادرة من صديق بعيد. أعمال لكتّاب مثل مارين بريدَا أو سوريسكو وصلت إلى إلينا بعد أحيان، وغالبًا عبر مبادرات فردية لا تحميها مؤسسات ولا تدعمها خطط ثقافية واضحة. كل رواية مترجمة أشبه بزجاجة أُلقيت فى البحر، لا أحد يعرف إن كانت ستصل إلى قارئ يطلبها أم ستظل ستغرق دون أن يشعر بها أحد.
وفى الاتجاه الآخر، حين انتقلت نصوص عربية إلى الرومانية، بدا الأمر أشبه بزرع شجرة غريبة فى تربة جديدة. الترجمة هنا ليست تعريفًا بالعرب فقط، بل اختبارًا لقدرة الأدب العربى على الحياة خارج لغته الأم. بعض القصائد العربية، حين قُرئت بالرومانية، بدت وكأنها تخلّت عن زينتها البلاغية واكتفت بعظمها العارى الذى تكوّم فى المعنى. وهنا تظهر شجاعة المترجم، حين يختار بين ما يبقى وما يرحل. فحين عبرت الرواية العربية إلى الرومانية، كانت الرحلة أشد حساسية. نجيب محفوظ وصل إلى القارئ الرومانى مترجمًا، لا باعتباره حاملًا لنوبل فقط، بل كراوٍ لمدينة تشبه مدنهم فى خوفها اليومى وتوقها للعدل. بعض أعمال الطيب صالح وغسان كنفانى تُرجمت أيضًا، وبدت فى لغتها الجديدة أكثر تجريدًا، لكنها لم تفقد جرحها الأول. هنا كان المترجم الرومانى يجرّد النص من زخرفته اللغوية، ليحافظ على قلبه نابضًا.
وأنا أتابع هذه الحركة، أو ما يشبهها، لا أستطيع أن أتجاهل محدوديتها، فالترجمة بين العربية والرومانية تعيش على أكتاف أفراد، لا على أكتاف دول. لا توجد مشاريع مستدامة، ولا برامج دعم كافية، ولا حضور حقيقى فى سوق النشر. المترجم هنا يكتب وهو يعلم أن كتابه قد لا يُراجع، ولا يُسوَّق، وربما لا يُقرأ. ومع ذلك يكتب. وهذه وحدها بطولة صامتة. الصعوبة ليست لغوية فقط، بل ثقافية أيضًا. كيف تشرح للقارئ العربى تاريخ القرى الرومانية، أو علاقتها بالكنيسة، أو ظل الأنظمة الشمولية على النفس الفردية؟ وكيف تنقل للقارئ الرومانى كثافة الرموز العربية، وازدواجية اللغة بين فصحى وعامية، وحمولة التاريخ والدين؟ فكل ترجمة ناجحة كانت حلًّا مؤقتًا لهذه الأسئلة، لكنها لم تكن أبدًا إجابة نهائية عنها.
ما يعيق هذه الحركة ليس فقط اختلاف اللغتين، بل غياب المشاريع المستمرة، وضعف الرهان على قارئ يريد أن يرى العالم من زاوية أخرى. ومع ذلك، كل رواية تُترجم هى انتصار صغير، وكل مترجم يصرّ على هذا الجسر هو شاهد على أن الأدب لا يحتاج إلى ضجيج كى يعيش، بل إلى من يؤمن به. الترجمة بين الرومانية والعربية ليست تيارًا جارفًا، لكنها جدول صغير، صافٍ، عنيد. وكل مترجم يضيف إليه صفحة، يضيف فى الحقيقة مساحة جديدة للفهم، ونافذة أخرى للحكاية. وأنا، كقارئ، لا أطلب أكثر من ذلك؛ أن أفتح كتابًا، فأشعر أن لغة بعيدة اقتربت منى، وأن مترجمًا ما، فى مكان ما، قرر أن يغامر كى لا أبقى وحدى داخل لغتى الجميلة.