رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

نجيب محفوظ.. مقاوم زاده الإبداع

بوابة الوفد الإلكترونية

رصده للواقع ونقده للأحداث.. تأصيل لمفهوم آخر للمقاومة

بداياته التاريخية.. هل تنزع عنه صفة المقاومة؟

سمات المقاومة في رواياته منذ «عرابي» وثورة ١٩ حتي ٦٧

روايات «محفوظ» توثيق أدبي لتاريخ مصر الحديث

 

 

يضع البعض تعريفاً إكليشيهياً تقليدياً لأدب المقاومة، فيراه ذاك الأدب الذى يقف فى مواجهة المحتل الغاصب أو يقاوم نظماً سياسية ظالمة. وهو مفهوم قاصر، ليس فقط لفكرة المقاومة بل لوظيفة الأدب الموجه «إذا جاز لى التعبير»، ذلك أن كل مقاومة لفكر عقيم سائد تعد مقاومة، وتسليط الضوء على سلبيات المجتمع هى أيضاً مقاومة، ومحاولة التغيير فى واقع اجتماعى قائم بالإبداع هو مقاومة فى حد ذاته.

وهو المعنى ذاته الذى يؤكده مفهوم الأدب المقاوم، لدى الدكتور السيد نجم، المتخصص فى أدب المقاومة، حيث يراه «الأدب الذى يسعى لتحقيق أهدافه من خلال التركيز على الظروف الصعبة التى يعيشها الناس، مع بيان عناصر القوة والضعف فى الجماعة، ثم إبراز ما يملكه الآخر المعتدى من عناصر القوة والضعف، وبالتالى على العمل والأمل بالوعى وليس بالدفع العصبى المنفعل..».

وعلى ضوء ما توصلنا إليه آنفاً من تعريف أكثر شمولية لأدب المقاومة، ترى هل يمكن اعتبار ما قدم نجيب محفوظ من أدب، أدباً مقاوماً؟ 

** إذن لنرصد معاً تيمة المقاومة فى أدب محفوظ:

يتجلى ذلك فى محاولات محفوظ رصد الملامح العامة للمتغيرات السياسية ومن ثم الاجتماعية وانعكاساتها على الإبداع الروائى. 

نجيب محفوظ يعد عبقرية فذة فى رصد التحولات السياسية والاجتماعية المصرية عبر أعماله، حيث شكلت الأحداث الكبرى- من ثورة عرابى إلى هزيمة 1967- النسيج الأساسى لرواياته، مبيناً كيف تؤثر هذه المتغيرات على حياة الناس وتكوينهم، وظهر ذلك بوضوح فى ثلاثيات القاهرة (بين القصرين، قصر الشوق، السكرية) التى رصدت التحولات من أواخر القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، و«أولاد حارتنا» التى لامست الصراعات الفكرية والاجتماعية، وصولاً لروايات ما بعد النكسة كـ«ثرثرة فوق النيل» و«ميرامار» التى عكست إحباطات تلك الفترة، فكان محفوظ مرآة لتاريخ مصر الحديث والمعاصر. 

أمثلة لكيفية تجلى هذه المتغيرات فى أعماله:

* ثورة عرابى والاحتلال الإنجليزى: تظهر فى روايات مبكرة مثل «عبث الأقدار». 

* ثورة 1919: تشكل خلفية رئيسية لثلاثية القاهرة، حيث تصور صعود الطبقة الوسطى وتغير الأدوار الاجتماعية، وتأثير الأحداث الوطنية على الأسر المصرية. 

* ثورة 1952: تجسدت فى روايات مثل «القاهرة الجديدة» و«خان الخليلى» و«زقاق المدق» التى رصدت صعود التيارات السياسية الجديدة وتأثيرها على حياة الطبقات الشعبية والمثقفين. 

* هزيمة 1967: تركت بصمتها فى أعمال متأخرة، تعكس خيبة الأمل والانكسار، وتبرز التساؤلات الوجودية والفكرية فى روايات مثل «المرايا» و«الحب تحت المطر» و«أفراح القبة». 

ولا نبالغ إن نحن جزمنا بأن محفوظ يعد رائداً ومتفرداً فى هذا المجال، وذلك لعدة أسباب، أولها قدرته على الرصد الشامل للتفاصيل، فهو لم يكتف بالحدث السياسى، بل غاص فى تأثيراته النفسية والاجتماعية على الفرد والأسرة والمجتمع، كذلك مهاراته فى التوثيق الأدبى للتاريخ، حيث قدم رواياته كوثائق أدبية لتاريخ مصر الحديث، فاستطاع أن يحول الشخصيات والأحداث التاريخية إلى عوالم روائية حية.

وقد تطورت أساليبه الروائية مع تطور الأحداث، من السرد التقليدى إلى التجريب والتعبير عن الأزمة الوجودية.

وقد كانت لمحفوظ مواقف سياسية مساندة لمبادئ الحرية وقيم العدالة الاجتماعية، عبر عنها بكتاباته، وتجلى ذلك فى روايات:

القاهرة الجديدة، الكرنك، يوم قتل الزعيم، الحب فوق هضبة الهرم، أولاد حارتنا، وغيرها من الروايات التى قدمت نقداً لاذعاً لنظم الحكم المتعاقبة على حكم مصر، والتى اشتركت جميعها فى الطابع الاستبدادى وتقييد الحريات وإن اختلفت شعاراتها أو انحيازاتها الاجتماعية.

* كما تجلت ملامح المقاومة فى أعمال محفوظ بعد رصد الشخصيات فى رصده للأحداث ونقده للواقع المعاش، من خلال تصويره لتفاصيل الحياة اليومية، إلى جانب رصد تغيرات الزمن وانعكاسها على النص الروائى، ورصد التحولات السياسية التى حدثت منذ نهاية الأربعينيات خلال وبعد الحرب العالمية الثانية‏. 

واستناداً إلى ما سبق فإنه يمكن اعتبار الأدب المقاوم، هو التعبير الأدبى بوصفه سلاحاً، يقاوم به الأديب ما يرفضه من رؤى، وليس فقط مجرد تصويره للمقاومة فى عمله، فمقاومة الشىء تعنى مواجهته بما يلزم، وقد يكون ما يلزم سلاحاً، أو كلمات تلهب حماس الجماهير لتتفاعل مع قضاياها. 

وهو وجود قضية تستلزم فعل المقاومة.

وربما يرى بعض النقاد أن قلم نجيب محفوظ كان أبعد ما يكون عن الأدب المقاوم، وذلك استناداً إلى بدايات «محفوظ» الروائية بالثلاثية التاريخية: «عبث الأقدار، رادوبيس، كفاح طيبة»، حيث قدم فيها نقداً مبطناً للأوضاع الاجتماعية فى العصر الملكى، ولكن فى قالب تاريخى، جنبه الصدام مع النظام الملكى فى ذلك الوقت، وهو ما أكده محفوظ نفسه فى أحد حواراته التليفزيونية فى الستينيات حين سئل عن تحوله من الاهتمام بالتاريخ إلى انشغاله بالواقع الاجتماعى المعاصر، فأجاب: «إنه لم يتخل أبداً عن اهتمامه بقضايا مجتمعه المعاصرة، وإنما قدمها فى قالب تاريخى كى يتجنب الصدام مع الملكية وقتئذ». 

وبتراجع سلطة النظام الملكى على المجتمع قدم «نجيب محفوظ» رواية «القاهرة الجديدة»، ورواية «بداية ونهاية»، اللتين قدم فيهما نقداً لاذعاً للأوضاع الاجتماعية فى نهايات العهد الملكى. 

وفى بدايات الحقبة الناصرية فى الخمسينيات اكتفى محفوظ بثلاثيته الرائعة «بين القصرين، قصر الشوق، السكرية» ورواية «أولاد حارتنا». 

وفى حقبة الستينيات قدم «محفوظ» أعمالاً ذات بعد اجتماعى واضح، وهو ما كان يتماشى مع انحيازات النظام الناصرى فى ذلك الوقت، تناقش الأوضاع الاجتماعية الظالمة التى تطيح بأبطال رواياته الذين مزقتهم ظروفهم القاسية وجعلتهم مذنبين بل مجرمين فى أعين المجتمع، وتتجلى تلك التيمة فى روايتى «الطريق، واللص والكلاب»، بالإضافة إلى رواية «السمان والخريف» التى أدانت بشكل واضح الديمقراطية الشكلية التى اتسمت بها الحياة السياسية المصرية فى كنف الملكية والاحتلال، عن طريق تناوله شخصية «عيسى الدباغ» الشاب الوفدى ذى التطلعات الطبقية الذى أطاحت الثورة والعهد الثورى الجديد بآماله حين ثبتت عليه تهمة التربح من منصبه مدير مكتب الوزير الوفدى. 

وفى السبعينيات أخرج رائعته «الكرنك»، التى ينقد فيها الفكر الديكتاتورى لنظام يوليو، وصورت العهد الناصرى بوصفه عهداً من الضحايا والجلادين. 

** ختاماً دعونا نجزم بأن المقاومة يجب ألا تقتصر على مقاومة النظم السياسية القائمة أو مقاومة المحتل، وهو ما أوضحناه آنفاً، فكل مقاومة لفكر عقيم سائد هى مقاومة، وتسليط الضوء على سلبيات المجتمع وآثامه هى أيضاً مقاومة، ومحاولة التغيير فى واقع اجتماعى قائم بالإبداع هو مقاومة فى حد ذاته.. وعليه أدب محفوظ يعد أدباً مقاوماً من الدرجة الأولى. 

مراجع: كتاب «أدب المقاومة.. المفاهيم والمعطيات»، السيد نجم.