لؤلؤة الصحراء تتألق فى المتحف الوطنى الليبى
تتألق «لؤلؤة الصحراء» من جديد. فلم يكن افتتاح المتحف الوطنى الليبى فى طرابلس حدثاً ثقافياً فحسب، بل هو صحوة لمدينة تراثية نمت لقرون. هذه الصحوة تذكرنا بحقيقة عميقة: أن التراث المشترك قوة تجمعنا وتتجاوز كل الحدود.
أثارت صورة لنقوش بيت غدامسى على وسائل التواصل الاجتماعى حيرة المتابعين، حيث ظنها البعض فى سيوة أو النوبة بمصر، أو حتى فى المغرب. هذا «اللبس الجميل» هو برهان على نسيج ثقافى موحد نسجته قرون من التبادل عبر طرق القوافل الصحراوية. التشابه المعمارى بين غدامس وتلك المناطق هو ثمرة حكمة إنسانية مشتركة فى التكيف مع البيئة الصحراوية، وتقاسم المواد والخبرات.
إن البيوت المبنية من الطين والجير، والمصممة لمواجهة حرارة الصحراء، مع شرفاتها المتصلة المخصصة للنساء، تروى قصة مشتركة عن تعايش الإنسان مع البيئة القاسية من المحيط إلى الصحارى.
مدينة تنام على كنز من التاريخ
«هذه ليست حجارة عادية، هذه صفحات من كتاب مفتوح».. وبهذه الكلمات يستقبلنا عثمان الحشاشى، المرشد السياحى الذى وقف حارساً أميناً للتراث الغدامسى، أمام مجسم بيت تقليدى فى المتحف الوطنى الليبى.
يقول الحشاشى وهو يشير بيده إلى نموذج مصغر، «فى المتحف الوطنى الليبى، يقول كل زاوية تحكى قصة، وكل قبة تخبئ سراً». وقد أدركت منظمة اليونسكو هذه القيمة العالمية عندما أدرجت غدامس على قائمة التراث العالمى عام 1986، ليس لأنها موقع ليبى فحسب، بل لأنها إرث إنسانى مشترك.
المرأة ملكة
يقول الحشاشى مشيراً على حجرة بها قبة ومدخلها نصف دائرى «فكل بيت توجد هذه القبة تستعمل ثلاث مرات فى حياة المرأة: فى فرح زفافها، وفى لحظة ولادة طفلها، وفى أيام حدادها».
وعن جدران البيوت الملونة والمتزينة بالديكورات يقول الحشاشى، هنا المرأة هى المهندسة والمزينة. «إذا رأيت بيتاً مزيناً بإتقان، فاعلم أن امرأة ماهرة تعيش فيه.. الطفلة تتعلم الفن منذ نعومة أظافرها» وفى السوق القديم يقف خالد الحاجى أحد سكان غدامس الأصليين والعاملين فى مجال السياحة لأكثر من ٣٠ عاماً: «انظروا إلى هذه الألوان» وبفخر قال وهو ممسك برداء مطرز: «هذه ليست ألواناً عشوائية، هذه علاقتنا بإفريقيا تتكلم». مؤكداً أن القماش يأتى من السودان.
وينقلنا الحاجى إلى «المورينا»، وهو احتفال نسائى ترتدى فيه النساء زياً خاصاً «فى الأفراح الغدامسية تمتد سبعة أيام، تلبس المرأة زياً مختلفاً كل يوم».
ويتابع الحاجى: «لكل عريس غدامسى نقوش خاصة لحذائه، ولطبق طعامه، ولمروحته. كل نقش له معنى، وكل شكل يحكى قصة».
معركة الحفاظ على الذاكرة
قصة غدامس لم تكن دائماً وردية. ففى عام 2016، أدرجت اليونسكو المدينة القديمة ضمن قائمة التراث العالمى المعرض للخطر. وكانت المعركة طويلة وشاقة إلى أن استطاع أبناؤها إنقاذها وخرجت من مرحلة الخطر.
افتتاح المتحف بداية فصل جديد تعود فيه الحياة إلى الأزقة الضيقة، وتعود فيه الألوان لتزين الجدران، وتعود فيه «لؤلؤة الصحراء» لتتألق كما كانت دائماً: جوهرة ثمينة فى تاج التاريخ الليبى.